الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل في المملكة عبر توظيف أكثر ذكاءً والتحقق من المهارات وحماية الوظائف الحقيقية

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل في المملكة عبر توظيف أكثر ذكاءً والتحقق من المهارات وحماية الوظائف الحقيقية

تتجه المملكة إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة أعمق داخل منظومة سوق العمل، مع انتقال الحلول الرقمية من مجرد أدوات مساندة إلى أنظمة تعمل بشكل مباشر داخل عمليات التوظيف والامتثال والتحقق من المهارات، بما يسهم في تسريع استقطاب الكفاءات، الحد من الممارسات الوهمية، ودعم أهداف التوطين.

وخلال مشاركته على هامش مؤتمر LEAP 2026 في الرياض، استعرض الدكتور سعود المنديل، الرئيس التنفيذي لتقنية المعلومات والتحول الرقمي في تكامل، كيفية توظيف الأنظمة الذكية في معالجة تحديات سوق العمل اليومية، وربط احتياجات المنشآت بقدرات الباحثين عن العمل بصورة أكثر دقة وفاعلية.

الذكاء الاصطناعي داخل معاملات سوق العمل

أوضح المنديل أن تكامل تعمل على إدماج الذكاء الاصطناعي مباشرة في معاملات سوق العمل، بدلًا من استخدامه فقط لإعداد التقارير أو تحليل البيانات بعد إتمام العمليات.

وتتعامل نماذج اللغة الكبيرة والتحليلات المتقدمة مع أكثر من 300 ألف طلب متعلق بالمسميات والأدوار الوظيفية شهريًا في الوقت الفعلي، مع التحقق من توافق كل طلب مع النشاط المرخص للمنشأة.

ويمتد استخدام الأنظمة الذكية إلى العقود أيضًا، إذ يغطي المساعد الخاص بالعقود أكثر من 750 ألف عقد شهريًا، مع إمكانية إضافة ما يصل إلى 25 بندًا من جانب صاحب العمل، حيث تعمل المنظومة على رصد التعارضات المحتملة مع الأنظمة واللوائح وشرح أسبابها أثناء إعداد العقد.

وتعكس هذه الآلية توجهًا نحو جعل الامتثال جزءًا من عملية العمل نفسها، بما يقلل الحاجة إلى معالجة الأخطاء بعد وقوعها ويخفض التكلفة التشغيلية المرتبطة بالامتثال للمنشآت.

التحقق من المهارات قبل وصول العمالة

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على التوظيف المحلي، إذ تستخدم تكامل حلولًا رقمية للتحقق من مهارات العمالة الدولية قبل وصولها إلى المملكة.

وبحسب المنديل، تجري اختبارات المهارات عبر أكثر من 200 مركز امتحانات في أكثر من 160 دولة، فيما تستخدم تقنيات الرؤية الحاسوبية والشبكات العصبية للتحقق من الهوية خلال ثوانٍ بدلًا من دقائق.

كما تتيح تقنيات تحليل الفيديو الذكي الإشراف على أكثر من 100 ألف جلسة تقييم شهريًا، مقارنة بنحو 150 جلسة فقط لكل مشرف في السابق، وهو ما يوسع نطاق عمليات التحقق ويرفع قدرتها على التعامل مع أعداد كبيرة من المتقدمين.

وتنسجم هذه المنظومة مع توجه تكامل المعلن في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تؤكد الشركة أن حلولها تستهدف تمكين الأفراد والمنشآت ورفع كفاءة استقطاب المواهب ومواءمة المسارات المهنية، مع التركيز على الاستخدام المسؤول للتقنية.

مكافحة التوطين الوهمي

في الجانب المحلي، توظف التحليلات الذكية لرصد حالات التوطين الوهمي، وهي الحالات التي يتم فيها تسجيل مواطنين على كشوف رواتب منشآت دون أن يؤدوا عملًا فعليًا فيها بهدف رفع نسب التوطين والاستفادة من المزايا المرتبطة بها.

ويعتمد هذا النهج على التحقق من حقيقة العلاقة الوظيفية بدل الاكتفاء بعدّ الأسماء المسجلة، بما يعزز موثوقية بيانات سوق العمل ويدعم تحقيق أهداف التوطين بصورة أكثر واقعية.

ويقوم المفهوم الذي طرحه المنديل على التمييز بين التحقق من القدرة والكفاءة من جهة، وتركيبة القوى العاملة من جهة أخرى، مع اعتبار أصالة البيانات والمعلومات الحلقة التي تربط بين الجانبين.

مطابقة أكثر ذكاءً بين الباحثين عن العمل والوظائف

ويمتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تجربة الباحثين عن العمل، من خلال تحليل السير الذاتية واستخراج المعلومات المتعلقة بالتعليم والخبرات والمهارات تلقائيًا، ثم استخدام نماذج التوصية لاقتراح الفرص التي تتوافق بصورة أفضل مع ملف الباحث وسلوكه.

وأظهرت التجربة، وفق البيانات التي عرضها المنديل، أن 30% من المتقدمين خلال ثلاثة أشهر لم يعودوا بحاجة إلى إعادة إدخال البيانات الموجودة أصلًا في سيرهم الذاتية، بينما ارتفع التفاعل مع الوظائف الشاغرة بمقدار 2.7 مرة.

وتشير هذه النتائج إلى أن قيمة الذكاء الاصطناعي في التوظيف لا تتوقف عند اختيار المرشح المناسب، بل تشمل أيضًا إزالة العوائق الإجرائية التي قد تمنع الباحث عن العمل من الوصول إلى الفرصة أو إكمال رحلة التقديم.

دعم المشاركة في سوق العمل

وترى تكامل أن المطابقة الذكية وحدها لا تكفي إذا كانت هناك عوامل اجتماعية أو عملية تمنع الشخص من قبول الوظيفة.

وفي هذا الإطار، تشمل منظومة الخدمات الداعمة برامج مثل قرة التي توفر خدمات رعاية أطفال في مواقع العمل عبر أكثر من 16 فرعًا، إضافة إلى مواءمة التي تعمل على اعتماد المنشآت في مجال الشمول داخل بيئة العمل.

ويعكس ذلك توجهًا أوسع نحو التعامل مع سوق العمل باعتباره منظومة متكاملة، لا تقتصر على الإعلان عن الوظيفة واختيار المرشح، وإنما تشمل أيضًا إزالة الحواجز التي قد تؤثر في قدرة الأفراد على المشاركة والاستمرار في العمل.

سوق عمل رقمي أكثر كفاءة وموثوقية

وتؤكد تكامل أن استراتيجيتها في الذكاء الاصطناعي تقوم على استخدام التقنية لتعزيز الإمكانات البشرية وليس استبدالها، مع التركيز على الامتثال، والأتمتة، ورفع كفاءة القوى العاملة، وتقديم تجارب رقمية تتمحور حول الإنسان.

وتأتي هذه التطبيقات ضمن تحول أوسع في سوق العمل بالمملكة، حيث أصبحت المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من إدارة العلاقة بين المنشآت والموظفين والباحثين عن العمل. وتصف تكامل منصة قوى بأنها الواجهة الرئيسية لسوق العمل الرقمي في المملكة، وتوفر خدمات مؤتمتة للأفراد والمنشآت بهدف دعم النمو والتوسع واستمرارية الأعمال.

ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في التحقق والتوظيف والامتثال، تتجه منظومة سوق العمل في المملكة نحو نموذج يعتمد بصورة أكبر على البيانات الفورية والتحليل الذكي، بما يعزز سرعة الإجراءات، ويحسن دقة المطابقة، ويدعم حماية الوظائف الحقيقية، في الوقت الذي يفتح فيه المجال أمام الكفاءات الوطنية للوصول إلى فرص أكثر ملاءمة لمهاراتها.