رغم التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتدفق الاستثمارات الضخمة إلى شركاته وبنيته التحتية، بدأت صورة التكنولوجيا لدى الجمهور الأميركي تتحرك في اتجاه أكثر تشككاً، مع تصاعد المخاوف بشأن الوظائف وتأثيرها على المهارات والعلاقات الإنسانية، مقابل عدم وضوح الفوائد التي يحصل عليها المستهلك العادي من هذا الانتشار المتسارع.
وتشير بيانات حديثة من مركز Pew Research إلى أن نحو نصف الأميركيين يرون أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية يثير لديهم القلق أكثر من الحماس، فيما أظهرت بيانات أخرى أن استخدام روبوتات المحادثة نفسها يتوسع بسرعة. وفي فبراير 2026، قال 49% من البالغين الأميركيين إنهم استخدموا روبوتات محادثة مثل ChatGPT أو Gemini أو Copilot، مقارنة بـ33% في 2024.
المفارقة تكشف أن زيادة الاستخدام لا تعني بالضرورة زيادة الثقة؛ فالذكاء الاصطناعي أصبح أكثر حضوراً في حياة الناس، لكن تقييمهم لتأثيره الاجتماعي لا يزال حذراً.
القلق يتجاوز الحماس
أظهرت بيانات Pew أن 50% من الأميركيين قالوا إنهم أكثر قلقاً من حماسهم تجاه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي في حياتهم اليومية، مقارنة بـ37% عندما طُرح السؤال نفسه في 2021.
وفي المقابل، قال 10% فقط إنهم أكثر حماساً من قلقهم، بينما أفاد 38% بأنهم يشعرون بالقدر نفسه من الحماس والقلق. كما يرى 57% من الأميركيين أن المخاطر الاجتماعية للذكاء الاصطناعي مرتفعة، مقابل 25% فقط يرون أن فوائده الاجتماعية مرتفعة.
وتشير هذه الأرقام إلى فجوة واضحة بين سرعة تطور التكنولوجيا وسرعة اقتناع الجمهور بقيمتها العملية والاجتماعية.
الشباب أكثر تشككاً في مستقبل الذكاء الاصطناعي
ولا يبدو أن الأجيال الأصغر سناً، التي كانت شركات التكنولوجيا تراهن عليها باعتبارها الأكثر تقبلاً للمنتجات الرقمية الجديدة، تشكل استثناءً من هذه الموجة.
فبحسب بيانات حديثة نقلتها Axios عن استطلاع Pew، أصبح 55% من الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً أكثر قلقاً من حماسهم تجاه الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية، بزيادة كبيرة مقارنة بالمستويات السابقة. كما يرى 73% من الشباب أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تراجع فرص العمل خلال العقدين المقبلين.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاستخدام المكثف للتكنولوجيا لا يعني بالضرورة الثقة في مسارها المستقبلي، خصوصاً عندما يرتبط الذكاء الاصطناعي مباشرة بمستقبل الوظائف والتعليم والمهارات.
مراكز البيانات تتحول إلى قضية سياسية
بدأت تداعيات هذا القلق تتجاوز النقاشات التقنية لتصل إلى السياسة المحلية الأميركية، مع تحول مراكز البيانات الضخمة التي تشغل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مصدر جدل في عدد من الولايات.
وأفادت Axios بأن الذراع الانتخابية للحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ حذرت شركات الذكاء الاصطناعي من أن المعارضة الشعبية لمراكز البيانات تضر بفرص الحزب في الحفاظ على مقعد مهم في ولاية أوهايو، في مؤشر على تحول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى قضية سياسية يمكن أن تؤثر في الحملات الانتخابية.
ولا يتعلق الاعتراض بالتكنولوجيا وحدها، بل يمتد إلى استهلاك الطاقة والمياه، وتأثير المشروعات الضخمة على المجتمعات المحلية، فضلاً عن المخاوف بشأن الوظائف وتوزيع المنافع الاقتصادية.
كما أصبحت هذه القضية أكثر وضوحاً مع إعلان OpenAI عن مشروع ضخم لمركز بيانات في أوهايو، يتضمن قدرة حوسبة تصل إلى 8 غيغاواط، ومن المتوقع أن يوفر المشروع آلاف الوظائف خلال الإنشاء والتشغيل.
شركات التكنولوجيا تواجه أزمة علاقات عامة
مع تصاعد الاعتراضات، بدأت شركات التكنولوجيا تواجه تحدياً يتجاوز تطوير النماذج والمنتجات، وهو إقناع المجتمعات المحلية بأن البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي تستحق تكلفتها.
وأصبحت بعض الشركات تقدم حوافز للمجتمعات التي تستضيف مراكز البيانات، بما في ذلك تعهدات بتوفير وظائف والاستثمار في البنية التحتية والمياه وغيرها من الخدمات المحلية.
وتكشف هذه التطورات عن تغير مهم في طبيعة النقاش حول الذكاء الاصطناعي؛ فالسؤال لم يعد فقط: ماذا تستطيع هذه التكنولوجيا أن تفعل؟ بل أصبح أيضاً: من سيدفع ثمن توسعها، ومن سيحصل على فوائدها؟
الذكاء الاصطناعي حاضر في المنتجات اليومية
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً متزايداً من المنتجات والخدمات التي يستخدمها المستهلكون يومياً، بدءاً من محركات البحث والبريد الإلكتروني وصولاً إلى الهواتف وأجهزة التلفزيون والخدمات الرقمية.
لكن المشكلة أن كثيراً من المستخدمين لا يرون دائماً قيمة واضحة لهذه الإضافات.
وتظهر بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمستخدم على شكل ملخصات آلية للمحتوى أو أدوات بحث ذكية أو مساعدين رقميين، بينما قد يرى المستخدم في بعض الحالات أن هذه الميزات لم تغير تجربته بصورة جوهرية.
وفي الوقت نفسه، أصبحت المخاوف المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم أكثر حضوراً، خصوصاً مع استخدام الطلاب أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد الواجبات والأبحاث، وما يرافق ذلك من أسئلة حول النزاهة الأكاديمية وقيمة المهارات التي يفترض أن يكتسبها الطالب.
مخاوف تتعلق بالإبداع والعلاقات الإنسانية
لا تقتصر المخاوف الشعبية على الوظائف.
فبيانات Pew تشير إلى أن الأميركيين يشعرون بالقلق أيضاً بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على المهارات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية. ويعتقد كثيرون أن الذكاء الاصطناعي قد يضعف قدرة البشر على التفكير الإبداعي أو تكوين علاقات ذات معنى، وهي مخاوف ظهرت بوضوح في استطلاعات الرأي حول مستقبل التكنولوجيا.
وفي المقابل، يبدي الجمهور استعداداً أكبر لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بعض المجالات العملية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحليل كميات كبيرة من البيانات أو دعم البحث العلمي والطبي والمالي.
وهذا يعني أن قبول الذكاء الاصطناعي قد يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة الاستخدام، وليس على التكنولوجيا نفسها.
عودة الاهتمام بتقنيات أكثر بساطة
في مفارقة لافتة، يتزامن الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي مع اهتمام متزايد لدى بعض الشباب بتقنيات قديمة أو أقل اتصالاً بالخوارزميات.
وتظهر هذه النزعة في الاهتمام بالهواتف التقليدية والكاميرات الرقمية وأجهزة تشغيل الموسيقى القديمة، إلى جانب عودة بعض الهوايات والأنشطة الواقعية التي لا تعتمد على التكنولوجيا الحديثة.
ولا يعني ذلك أن الجمهور يتخلى عن التكنولوجيا الحديثة؛ فبيانات Pew تظهر في الوقت نفسه نمواً قوياً في استخدام روبوتات المحادثة. لكن الظاهرة تعكس رغبة لدى بعض المستخدمين في استعادة قدر أكبر من السيطرة والخصوصية والبساطة في حياتهم الرقمية.
المشكلة قد لا تكون في طريقة تقديم الذكاء الاصطناعي
يرى البعض داخل صناعة التكنولوجيا أن المشكلة تكمن في ضعف التواصل مع الجمهور، وأن الشركات بحاجة إلى شرح فوائد الذكاء الاصطناعي بصورة أفضل.
لكن اتجاهاً آخر يرى أن المشكلة أعمق من مجرد الرسائل التسويقية.
فإذا كان المستهلك لا يحصل على فائدة واضحة من إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما يسمع في الوقت نفسه عن احتمال فقدان الوظائف وارتفاع استهلاك الطاقة ومخاطر الخصوصية والتأثير على المهارات البشرية، فمن الطبيعي أن تصبح كفة الشك أثقل من كفة الحماس.
وتدعم بيانات Pew جانباً من هذه الفكرة؛ إذ يقول نحو ستة من كل عشرة أميركيين إنهم يريدون قدراً أكبر من التحكم في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في حياتهم، رغم أن نحو ثلاثة أرباعهم مستعدون للسماح له بالمساعدة في بعض المهام اليومية على الأقل.
قادة الصناعة يواجهون أزمة ثقة
بدأ بعض المسؤولين التنفيذيين في قطاع التكنولوجيا الاعتراف بأن المشكلة تتعلق بالثقة بقدر ما تتعلق بالتكنولوجيا نفسها.
وقد أشار الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، داريو أمودي، إلى أن النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي يرتبط بأزمة ثقة، في ظل شكوك الجمهور بشأن ما إذا كانت الشركات والحكومات قادرة على إدارة التكنولوجيا بطريقة تحقق فوائد حقيقية وتحد من الأضرار.
وتتزايد أهمية هذه الرسالة في ظل الوعود الكبيرة التي قدمتها صناعة الذكاء الاصطناعي، من تحسين الرعاية الصحية وتسريع اكتشاف الأدوية إلى زيادة الإنتاجية وتحويل طبيعة العمل.
لكن كلما ارتفع سقف الوعود، ارتفعت أيضاً توقعات الجمهور بشأن النتائج الملموسة.
من أزمة علاقات عامة إلى تحدٍ تجاري
تراجع الثقة في الذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر من مجرد مشكلة لصورة الشركات.
فصناعة التكنولوجيا بنت جزءاً كبيراً من تقييماتها واستثماراتها وخططها المستقبلية على افتراض استمرار انتشار الذكاء الاصطناعي، بينما يعتمد هذا الانتشار في النهاية على قبول المستهلكين والشركات والمجتمعات والحكومات.
وإذا استمر الجمهور في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن يقتنع بقيمتها، فقد تصبح الصناعة أمام نموذج مختلف: نمو في الاستخدام يقابله ضعف في الولاء والثقة.
كما أن المعارضة المحلية لمراكز البيانات قد تفرض تكاليف إضافية على الشركات، سواء من خلال الحوافز المطلوبة لاستضافة المشروعات أو زيادة القيود التنظيمية أو ارتفاع تكاليف الطاقة والمياه.
المطلوب فوائد ملموسة لا وعود مستقبلية
تكشف اتجاهات الرأي العام أن الجمهور لا يرفض الذكاء الاصطناعي بشكل مطلق. بل إن الاستخدام آخذ في الارتفاع، ونحو نصف الأميركيين يستخدمون بالفعل روبوتات المحادثة.
لكن القبول لا يبدو مضموناً لمجرد أن التكنولوجيا أصبحت موجودة في كل مكان.
الاختبار الحقيقي لصناعة الذكاء الاصطناعي سيكون قدرتها على تقديم منتجات وخدمات تمنح المستخدمين فوائد واضحة في حياتهم اليومية، وتبرر التكاليف الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بتوسعها.
وبينما تواصل الشركات ضخ مليارات الدولارات في النماذج ومراكز البيانات، يبدو أن التحدي المقبل قد لا يكون فقط بناء ذكاء اصطناعي أكثر قدرة، بل بناء ثقة أكبر في أن هذه القدرة ستُستخدم بطريقة يستفيد منها الناس فعلاً.

