أثارت دراسة منشورة في مجلة «Neurology»، التابعة للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب، اهتماماً متزايداً حول التأثيرات طويلة الأمد لاستهلاك المحليات منخفضة السعرات أو الخالية منها، بعدما وجدت ارتباطاً بين ارتفاع استهلاك مجموعة من هذه المحليات وتراجع أسرع في بعض مؤشرات الوظائف الإدراكية والذاكرة لدى البالغين، خصوصاً من تقل أعمارهم عن 60 عاماً.
وتشمل المحليات التي تناولتها الدراسة الأسبارتام، والساكارين، وأسيسولفام-ك، والإريثريتول، والزيليتول، والسوربيتول، والتاغاتوز. ومع ذلك، لا تعني نتائج الدراسة أن هذه المواد تسبب مباشرةً تدهور الذاكرة أو الخرف، إذ كانت الدراسة رصدية وتعتمد على بيانات غذائية وصحية جُمعت على مدى سنوات، وهو ما يجعل نتائجها دليلاً على وجود ارتباط يحتاج إلى مزيد من البحث وليس إثباتاً لعلاقة سببية.
دراسة امتدت 8 سنوات وشملت أكثر من 12 ألف مشارك
اعتمد الباحثون على بيانات 12,772 مشاركاً ضمن دراسة طولية أجريت في البرازيل، وكان متوسط أعمار المشاركين عند بداية المتابعة نحو 51.9 عاماً، وشكلت النساء 54.8% من العينة.
وتابع الباحثون المشاركين عبر ثلاث مراحل رئيسية بين عامي 2008 و2019، واستخدموا استبيانات لتقييم استهلاك سبعة أنواع من المحليات منخفضة السعرات أو الخالية منها، إلى جانب اختبارات معرفية شملت ستة مؤشرات للوظائف الإدراكية.
وكان الهدف الأساسي هو دراسة العلاقة بين استهلاك هذه المحليات ومعدل التغير في القدرات الإدراكية بمرور الوقت.
المحليات التي شملتها الدراسة
ركزت الدراسة على مجموعة من المحليات المستخدمة في المنتجات الغذائية والمشروبات كبدائل للسكر، وشملت:
- الأسبارتام.
- الساكارين.
- أسيسولفام-ك.
- الإريثريتول.
- الزيليتول.
- السوربيتول.
- التاغاتوز.
وتختلف هذه المواد في تركيبها وطريقة استخدامها وتأثيراتها الغذائية، ولذلك فإن الدراسة لم تتعامل معها باعتبارها مادة واحدة متطابقة، بل بحثت في الاستهلاك الإجمالي للمجموعة، وكذلك في بعض المحليات بشكل منفصل.
ارتباط بين الاستهلاك المرتفع وتراجع أسرع في الإدراك
وجد الباحثون أن المشاركين الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً وكان استهلاكهم الإجمالي من المحليات منخفضة السعرات أو الخالية منها ضمن أعلى مستويات الاستهلاك، شهدوا تراجعاً أسرع في الطلاقة اللفظية والقدرات الإدراكية العامة مقارنة بمن كان استهلاكهم أقل.
كما ارتبط استهلاك بعض المحليات بشكل منفصل بتراجع أسرع في الإدراك العام، مع ظهور التأثير بصورة خاصة في مجالي الذاكرة والطلاقة اللفظية.
وأشارت الدراسة أيضاً إلى اختلاف النتائج بحسب الإصابة بالسكري؛ إذ ارتبط ارتفاع استهلاك هذه المحليات بتراجع أسرع في الذاكرة والإدراك العام لدى المشاركين المصابين بالسكري، بينما ظهر لدى غير المصابين بالسكري ارتباط بالطلاقة اللفظية والإدراك العام.
ماذا وجدت الدراسة لدى من تجاوزوا 60 عاماً؟
من أبرز النتائج التي لفتت الانتباه عدم العثور على ارتباط مماثل بين مستويات استهلاك المحليات والتراجع الإدراكي لدى المشاركين الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر.
لكن هذه النتيجة لا تعني بالضرورة أن المحليات تصبح غير مؤثرة بعد سن الستين، ولا تسمح الدراسة باستخلاص مثل هذا الاستنتاج.
وتشير طبيعة الدراسة إلى أن الاختلاف قد يرتبط بعوامل إحصائية أو اختلافات في معدلات التغير الإدراكي بين الأفراد الأكبر سناً، كما أن الدراسة نفسها لا تثبت أن العمر يغير تأثير المحليات بصورة مباشرة.
هل تثبت الدراسة أن المحليات الصناعية تسبب فقدان الذاكرة؟
الإجابة: لا.
وهذه نقطة أساسية عند قراءة نتائج الدراسة.
البحث كان دراسة رصدية طولية، أي أن الباحثين تابعوا أنماط استهلاك المشاركين وتغير قدراتهم الإدراكية بمرور الوقت، ولم يجروا تجربة سريرية يتم فيها توزيع المشاركين عشوائياً على مجموعات تستهلك كميات مختلفة من المحليات.
ولهذا فإن النتائج تشير إلى وجود ارتباط بين الاستهلاك المرتفع والتراجع الإدراكي، لكنها لا تثبت أن المحليات نفسها هي السبب المباشر في حدوث هذا التراجع.
وأقر الباحثون بوجود قيود في الدراسة، من بينها الاعتماد على بيانات غذائية تم الإبلاغ عنها ذاتياً، واحتمال وجود تحيز مرتبط بانسحاب بعض المشاركين من المتابعة، إضافة إلى احتمال وجود عوامل أخرى متداخلة يصعب فصل تأثيرها بصورة كاملة.
لماذا لا تكفي دراسة واحدة لإصدار توصية عامة؟
تثير نتائج الدراسة أسئلة مهمة حول الاستخدام طويل الأمد للمحليات، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار توصية عامة بالتوقف عن جميع بدائل السكر.
فالنتيجة العلمية الأكثر دقة هي أن الدراسة أضافت دليلاً رصدياً جديداً إلى مجال لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث، خصوصاً لتحديد ما إذا كان الارتباط المرصود يعكس تأثيراً مباشراً للمحليات أم يرتبط بعوامل غذائية أو صحية أو سلوكية أخرى.
كما أن الباحثين لم يدرسوا جميع أنواع المحليات الموجودة في السوق، وإنما ركزوا على سبعة أنواع محددة، وبالتالي لا يمكن تعميم النتائج تلقائياً على كل منتج يحمل وصف «بديل السكر».
لماذا يستخدم الناس المحليات منخفضة السعرات؟
يستخدم ملايين الأشخاص بدائل السكر في المشروبات والأطعمة، ومن بين دوافع استخدامها الرغبة في تقليل استهلاك السكر والسعرات الحرارية.
وتحظى هذه المنتجات باهتمام خاص لدى الأشخاص الذين يحاولون تقليل السكر في النظام الغذائي أو التحكم في مستويات سكر الدم، لكن طبيعة تأثير كل مادة تختلف بحسب تركيبها وكميتها وطريقة استخدامها ضمن النظام الغذائي الكامل.
ولهذا، فإن تقييم النظام الغذائي بصورة شاملة يظل أكثر أهمية من التركيز على مكون واحد بمعزل عن بقية العادات الغذائية.
الدراسة لا تلغي الحاجة إلى مزيد من الأبحاث
أشارت الدراسة إلى إمكانية وجود أضرار طويلة الأمد مرتبطة باستهلاك المحليات منخفضة السعرات أو الخالية منها، لكنها في الوقت نفسه أبرزت الحاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم هذه العلاقة.
وتكتسب هذه الحاجة أهمية خاصة لأن المحليات تضم مواد مختلفة كيميائياً، ومن غير الدقيق افتراض أن جميعها لها التأثير نفسه على الجسم أو الدماغ.
كما أن النتائج المتعلقة بالإدراك تحتاج إلى اختبارها في دراسات أخرى، ويفضل أن تشمل تصميمات بحثية أكثر قدرة على تحديد العلاقة السببية والتحكم في العوامل المتداخلة.
ماذا تعني النتائج للمستهلك؟
بالنسبة للمستهلك، لا تعني الدراسة بالضرورة ضرورة الامتناع الفوري عن جميع المحليات الصناعية، لكنها تدعم فكرة التعامل معها باعتدال وعدم اعتبار المنتجات المحلاة ببدائل السكر خياراً صحياً بلا حدود لمجرد أنها تحتوي على سعرات أقل أو لا تحتوي على السكر التقليدي.
كما يمكن أن يكون تقليل الاعتماد على المذاق شديد الحلاوة بشكل عام جزءاً من نمط غذائي أكثر توازناً، بدلاً من استبدال السكر بكميات كبيرة من المحليات بصورة مستمرة.
وفي الحالات التي يعاني فيها الشخص من السكري أو من حالة صحية تتطلب تنظيماً خاصاً للغذاء، ينبغي أن يتم تقييم الخيارات الغذائية بالتنسيق مع الطبيب أو اختصاصي التغذية، خصوصاً عند إجراء تغييرات مستمرة على النظام الغذائي.
البحث يضيف سؤالاً جديداً إلى النقاش العلمي
تأتي هذه الدراسة في وقت تتزايد فيه الأبحاث التي تبحث في الآثار الصحية بعيدة المدى للمحليات منخفضة السعرات والخالية منها.
وقد نشرت «Neurology» الدراسة في 2025، ثم نُشرت لاحقاً نسخة مصححة في نوفمبر من العام نفسه بعد اكتشاف أخطاء في بعض فواصل الثقة الإحصائية؛ وأوضحت المجلة أن التصحيحات لم تغير الاستنتاجات العامة للدراسة.
وبذلك، فإن الرسالة الأهم ليست أن المحليات أصبحت «خطراً مؤكداً» على الدماغ، وإنما أن هناك إشارة بحثية تستحق المتابعة، خصوصاً فيما يتعلق بالاستهلاك المرتفع وطويل الأمد.
وفي ظل استمرار الأبحاث، يبقى من المبكر تحويل هذه النتائج إلى حكم قاطع على جميع بدائل السكر، بينما تؤكد الدراسة أهمية إجراء مزيد من الأبحاث لفهم العلاقة بين النظام الغذائي وصحة الدماغ على المدى الطويل.

