حوار ونشر: بودو قوفاي – رئيس التحرير | وهران، الجزائر – 11 مايو 2026
شهدت مدينة وهران الأسبوع الماضي حدثًا مختلفًا عن المؤتمرات التقنية التقليدية المعتادة. فقد حضرت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ بدعم أوروبي واضح، لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد فعالية دولية عابرة، بل خطوة عملية تحمل رؤية حقيقية لإعادة تشكيل مستقبل الابتكار في الجزائر.
وفي إطار تعاون دولي يعكس أهمية التنمية المشتركة، تعاونت GIZ مع وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغّرة في الجزائر لتنظيم ورشة عمل متخصصة حول “الابتكار المفتوح” بمدينة وهران، المدينة التي لطالما عُرفت بقدرتها على إعادة اكتشاف نفسها عبر التاريخ.
وهران، ذات الإرث الإسباني والتاريخ الممتد منذ الحقبة الاستعمارية الفرنسية، والتي وُلد فيها المصمم العالمي إيف سان لوران وخرجت منها موسيقى الراي إلى العالم، أصبحت اليوم محط أنظار دولية جديدة. وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد صنفتها مؤخرًا ضمن أفضل الوجهات العالمية الواجب زيارتها في عام 2026، حيث جاءت في المرتبة السابعة عالميًا. أما سكانها فيطلقون عليها اسم “الباهية”، لما تتمتع به من سحر متوسطي وثقافة نابضة بالحياة. واليوم تضيف المدينة صفحة جديدة إلى تاريخها عبر دخولها القوي إلى عالم التكنولوجيا والابتكار.
وشكّلت الورشة نقطة تحول حقيقية في منظومة الابتكار الجزائرية، بعدما استقبلت المدينة خبرات عالمية رفيعة المستوى، كان أبرزها حضور سيباستيان توبي الذي شارك رؤيته وتجربته بهدف إلهام المواهب الشابة ودعم المبادرات الحكومية في قطاع الابتكار.
من بروكسل إلى وهران.. مهمة سيباستيان توبي لإطلاق إمكانات الجزائر
قاد سيباستيان توبي، مؤسس Founders Academy وScalefront، الورشة التي قدّمت أفكارًا وتجارب متقدمة للمؤسسات الجزائرية وحاضنات الأعمال. ويملك توبي خبرة واسعة تمتد من بروكسل إلى بيشكيك وريكيفيك وأمستردام وغيرها من المدن العالمية، لكنه وجد في وهران شيئًا مختلفًا؛ إذ أدرك حجم الإمكانات التي تمتلكها الجزائر، خاصة مع وجود أكثر من 13,400 شركة ناشئة جاهزة للنمو والانطلاق.
وبفضل خبرته الممتدة عبر أوروبا وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا، لم يتردد توبي في تلبية الدعوة إلى وهران، خصوصًا مع الاهتمام الدولي المتزايد بالمشهد الابتكاري الجزائري.
فالجزائر تمتلك بالفعل جميع المقومات: شركات ناشئة، وأكثر من 200 حاضنة أعمال، ودعم حكومي واضح، لكن رغم ذلك لم تتجاوز الشراكات الفعلية بين الشركات الكبرى والشركات الناشئة سوى 219 شراكة فقط، في وقت تقدم فيه الحكومة إعفاءات ضريبية تصل إلى 30% للشركات التي تدخل في شراكات ابتكارية، بقيمة قد تصل إلى 1.5 مليون دولار.
وفي حديثه لـ صحيفة التايمز السعودية ، قال سيباستيان توبي:
“وهران فاجأتني بأفضل طريقة ممكنة. كان هناك حماس حقيقي داخل القاعة، وأشخاص لا يخشون النقاش وتحدي الأفكار، وهذا بالضبط ما يحتاجه الابتكار المفتوح. أكثر ما لفت انتباهي هو اختلاف طريقة قراءة الفرص بين رواد الأعمال تبعًا لخلفياتهم وتجاربهم. هذا التنوع ليس عائقًا، بل مصدر قوة. منظومة التقنية في وهران تنمو بسرعة، وأعتقد أن إطار الابتكار المفتوح الذي ناقشناه يمنحها اتجاهًا واعدًا للغاية. وأنا متحمس لرؤية ما ستصل إليه خلال السنوات المقبلة.”
خارطة طريق GIZ للابتكار في أربع مدن جزائرية
تدرك إكرام بن شريف، مديرة GIZ الجزائر، حجم المرحلة الحالية. فهي، إلى جانب زميلتها نسرين بن عمار، لا تديران مجرد ورش عمل، بل تنفذان خارطة طريق استراتيجية تمتد عبر أربع مدن جزائرية رئيسية: عنابة، وهران، بسكرة، وسطيف.
كل محطة تم اختيارها بعناية، وكل ورشة تُبنى على ما قبلها. والهدف واضح: ضمان ألا تضيع الجزائر فرصتها في التحول إلى قوة ابتكارية حقيقية.
وتعمل فرق GIZ على معالجة الفجوة الكبيرة بين الإمكانات المتاحة والاستفادة الفعلية منها، عبر التحرك بشكل منظم داخل مراكز الابتكار الجزائرية، مدينة بعد أخرى.
إعفاء ضريبي بنسبة 30%.. خطوة جريئة من الوزارة لجعل الابتكار ضرورة
جاء توقيت هذه المبادرات في لحظة استراتيجية للغاية، خاصة بعد إطلاق وزارة اقتصاد المعرفة الجزائرية حوافز مالية غير مسبوقة، تسمح للشركات التي تدخل في شراكات ابتكار مفتوح مع الشركات الناشئة المعتمدة بالحصول على خصم ضريبي بنسبة 30% من أرباحها السنوية، بحد أقصى يصل إلى 200 مليون دينار جزائري، أي ما يعادل نحو 1.5 مليون دولار أمريكي.
وبذلك أصبحت الجزائر واحدة من أكثر دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقديمًا للحوافز المرتبطة بالابتكار.
وقال توبي لـ صحيفة التايمز السعودية:
“الابتكار المفتوح لم يعد خيارًا في الجزائر، بل أصبح ضرورة.”
كما أشار إلى مشروع قانون مرتقب في عام 2026 تحت عنوان “ابتكر أو ادفع”، والذي سيُلزم الشركات بالاستثمار في الابتكار أو دفع مساهمات مالية إضافية، ما يحوّل الابتكار من ميزة إضافية إلى عنصر أساسي في بيئة الأعمال.
وشهدت الورشة عرض قصص نجاح ملهمة، من بينها مشروع FarmAI التابع لشركة SevenG، وهي شركة ناشئة أسسها طلاب جزائريون، حصلت على المركز الثاني عالميًا في مسابقة Huawei Tech4Good بفضل نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف عن صدأ القمح.
وهو ما يعكس قدرة المواهب الجزائرية على المنافسة عالميًا عند توفير الدعم المناسب.
نجاحات الجالية الجزائرية بالخارج.. خالد تيمزيت ينقل الذكاء الاصطناعي إلى الشركات المحلية
ومن بين الأسماء البارزة في المشهد التقني الجزائري الصاعد، يبرز خالد تيمزيت، البالغ من العمر 29 عامًا، وهو فرنسي جزائري افتتح مؤخرًا شركة Astrobia Algeria في العاصمة الجزائر.
ويشغل تيمزيت منصب “سفير الذكاء الاصطناعي” في فرنسا ضمن مبادرة “Osez l’IA”، ويعمل اليوم على نقل خبراته إلى الجزائر بطريقة عملية تستهدف الأشخاص الذين لا يملكون أي خلفية تقنية.
وخلال أيام قليلة فقط، نظم ورشتي عمل مكتملتي العدد في الجزائر العاصمة، وبدأت الشركات المحلية بالفعل بطلب المزيد من الدورات التدريبية.
ويقول تيمزيت لـ صحيفة التايمز السعودية
“الذكاء الاصطناعي ليس حكرًا على المهندسين. إذا كنت تستطيع استخدام الهاتف، فأنت قادر على تعليم الذكاء الاصطناعي تنفيذ مهام مفيدة.”
ويعتمد في تدريبه على لغة بسيطة وتجارب مباشرة بعيدًا عن التعقيد التقني، ما ساعد أصحاب الأعمال الصغيرة على تطبيق حلول عملية بسرعة، مثل أتمتة الردود على العملاء أو إدارة المخزون.
داخل جامعة العلوم والتكنولوجيا بوهران.. الحاضنة التي تصنع مستقبل الابتكار الجزائري
يشرف البروفيسور مهلة قادة على حاضنة الأعمال التابعة لجامعة العلوم والتكنولوجيا بوهران USTO، حيث تدور الكثير من هذه المبادرات.
وفي حديثه لـ The Saudi Times قال:
“جامعة USTO موجودة لدعم المواهب الشابة، وهذه الورشة التي نظمتها GIZ بحضور سيباستيان توبي تمثل مبادرة مهمة لدعم جامعتنا وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي للمشاريع الخضراء.”
كما شهد التعاون مشاركة نصر الدين صياد، مدير مركز تطوير ريادة الأعمال بالجامعة، في إطار الدعم المؤسسي الشامل لمستقبل ريادة الأعمال في الجزائر.
من العلوم البحرية إلى دعم الشركات الناشئة.. الدكتورة نسيمة مسلي تبني الجيل القادم من المبتكرين
التقت صحيفة التايمز السعودية بالدكتورة نسيمة مسلي، الحاصلة على دكتوراه في السموم البيئية البحرية، والتي تحولت إلى واحدة من أبرز الداعمين للمواهب الجزائرية الصاعدة.
ومن خلال عملها ضمن برنامج الاقتصاد الأزرق الممول من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى دورها داخل حاضنة USTO، تعمل على بناء جيل جديد من المبتكرين.
وفي 11 مايو، شاركت الدكتورة نسيمة في ورشة GIZ إلى جانب البروفيسور مهلة قادة وأميرة سنوسي، إحدى الوجوه الصاعدة في عالم الشركات الناشئة الجزائرية.
وقالت لـ صحيفة التايمز السعودية:
“هؤلاء الشباب جادون للغاية. أميرة مثلًا لا تنتظر إذنًا من أحد لتبني مشروعًا استثنائيًا.”
وأضافت:
“نحن لا ندعم مشاريع فقط، بل نبني منظومة متكاملة تتيح للمواهب الشابة النمو والمساهمة في تطوير الاقتصاد الجزائري عبر الابتكار والتنمية المستدامة.”
من حلم جريء إلى مشروع حقيقي.. رحلة أميرة سنوسي مع LEÍOS SKIN
أما أميرة سنوسي، فهي نموذج حي لما تتحدث عنه الدكتورة نسيمة.
فقد نجحت رائدة الأعمال الشابة في تحويل النباتات الجزائرية المحلية إلى علامة متخصصة في مستحضرات العناية الجلدية تحت اسم LEÍOS SKIN، معتمدة على حلول جزائرية مبتكرة بالكامل.
وعند سؤالها عن تجربتها مع حاضنة USTO، قالت مبتسمة:
“بصراحة، لم أكن أعرف ماذا أفعل في البداية. لكن فريق الحاضنة كان يملك الخبرة الكاملة. كل خطوة في الرحلة ساعدتني على التعلم والتطور والابتكار. المدربون والموجّهون لعبوا دورًا أساسيًا في تحويل أفكاري البحثية إلى مشروع حقيقي. لقد جعلوا حلمي المجنون يبدو ممكنًا.”
Oran, Algeria
Photo Credits: Boudou Gueffai | Editor-in-Chief | The Saudi Times
الجزائر تدخل مرحلة جديدة من الابتكار.. ووهران في قلب المشهد
كل المؤشرات أصبحت واضحة: المواهب موجودة، والبنية التحتية متوفرة، والدعم الحكومي حاضر بقوة.
فما حدث في وهران لم يكن مجرد ورشة عمل عابرة، بل رسالة واضحة تؤكد أن الجزائر أصبحت مستعدة لدخول المنافسة العالمية في مجال الابتكار والتكنولوجيا.
ومع دعم GIZ ، ومساندة الوزارة، والتمويل الأوروبي، وخبرات شخصيات عالمية مثل سيباستيان توبي، يبدو أن الجزائر بدأت بالفعل كتابة فصل اقتصادي جديد يعتمد على الابتكار وريادة الأعمال.
واليوم، ومع تصاعد مكانة وهران كواحدة من أبرز مراكز الابتكار في البحر المتوسط، تؤكد المدينة أنها لم تعد تراقب المشهد من بعيد، بل أصبحت جزءًا أساسيًا منه.
وبعد تصنيفها ضمن أبرز الوجهات العالمية من قبل The New York Times، تضعها صحيفة التايمز السعودية اليوم ضمن أهم المدن العربية التقنية الصاعدة التي تستحق المتابعة في عام 2026.

