أصدرت الهيئة العامة للموانئ «موانئ» تعميماً يقضي بتعليق استكمال الترتيبات الاستباقية لحاويات الترانزيت ذات النقل اللاحق الواردة عبر موانئ المملكة، في خطوة تأتي ضمن المتابعة المستمرة لحركة الحاويات ومؤشرات الأداء التشغيلي وتقييم أثر الإجراءات التنظيمية على كفاءة العمليات واستغلال الطاقات الاستيعابية.
ووجهت الهيئة جميع الوكلاء الملاحيين ومشغلي المحطات في الموانئ بالاستمرار في العمل وفق ما ورد في التعميم رقم 12 لعام 2026، وذلك اعتباراً من 10 يونيو 2026 وحتى صدور إشعار آخر.
تعليق الترتيبات الاستباقية لحاويات الترانزيت
تتعلق الإجراءات بحاويات الترانزيت التي تصل إلى موانئ المملكة وتحتاج إلى نقل لاحق إلى وجهاتها النهائية داخل المملكة أو خارجها.
ويأتي تعليق استكمال الترتيبات الاستباقية في إطار متابعة الهيئة لمستوى الأداء التشغيلي وحركة حاويات الترانزيت، بهدف تقييم مدى ملاءمة الإجراءات التنظيمية المطبقة للظروف التشغيلية الحالية وقدرة الموانئ على التعامل مع تدفقات الحاويات بكفاءة.
وأوضحت «موانئ» أن القرار لا يمثل بالضرورة إلغاءً نهائياً للإجراءات السابقة، إذ أبقت على إمكانية إعادة العمل بها أو اتخاذ إجراءات تنظيمية أخرى إذا اقتضت المصلحة التشغيلية ذلك.
ماذا كانت تتضمن الترتيبات السابقة؟
كان التعميم رقم 25 لعام 2026 قد وضع ترتيبات استباقية للتعامل مع حاويات الترانزيت ذات النقل اللاحق، بهدف الحد من بقائها داخل الموانئ لفترات طويلة وضمان سرعة انتقالها إلى وجهاتها النهائية.
وشملت تلك الترتيبات إلزام الوكلاء الملاحيين، قبل وصول السفينة، بتحديد الوجهة النهائية والجهة المستفيدة من حاويات الترانزيت، إلى جانب استكمال التعاقد أو الترتيب المسبق لخدمة النقل اللاحق.
كما تضمنت تحديد الناقل البري أو مزود الخدمات اللوجستية المسؤول عن تنفيذ عملية النقل، وتوفير المعلومات والبيانات المتعلقة بالنقل اللاحق للهيئة أو مشغل المحطة عند الطلب، والاحتفاظ بالمستندات والاتفاقيات التي تثبت استكمال تلك الترتيبات.
وكانت الإجراءات تهدف كذلك إلى ضمان خروج حاويات الترانزيت من الميناء خلال مدة محددة، بما يقلل من إشغال الساحات والمرافق التشغيلية ويحافظ على كفاءة استخدام الطاقة الاستيعابية للموانئ.
لماذا كانت الترتيبات مطلوبة؟
جاءت الإجراءات السابقة بعد رصد بقاء بعض حاويات الترانزيت التي تحتاج إلى نقل لاحق داخل الموانئ لفترات تتجاوز المدد التشغيلية المستهدفة، نتيجة عدم استكمال ترتيبات نقلها قبل وصول السفن.
وكان من شأن بقاء هذه الحاويات لفترات طويلة زيادة الضغط على ساحات التخزين والمرافق التشغيلية، والتأثير في سرعة مناولة الحاويات وكفاءة استغلال الطاقات المتاحة.
ولهذا ركزت الترتيبات على نقل جزء من المسؤولية التشغيلية إلى مرحلة ما قبل وصول السفينة، بحيث تكون الوجهة النهائية وخطة النقل والجهة المنفذة للنقل محددة مسبقاً.
وبحسب تفاصيل التعميم المنشورة، كان من المقرر ألا تتجاوز مدة إخراج حاويات الترانزيت ذات النقل اللاحق 15 يوماً من تاريخ تفريغها، ما لم توافق الهيئة على خلاف ذلك، مع تحديد مهلة للحاويات التي وصلت قبل تاريخ نفاذ الإجراءات.
تعليق الإجراءات لا يعني انتهاء المخاطر اللوجستية
ويرى الخبير اللوجيستي السعودي المهندس حسن آل هليل أن تعليق استكمال الترتيبات الاستباقية يعكس تحولاً في طريقة التعامل مع المخاطر التشغيلية، وليس بالضرورة انتهاء تلك المخاطر.
وأوضح في حديث لـ«العربية.نت» أن المرونة اللوجستية أصبحت عنصراً أساسياً في استمرارية الأعمال وإدارة المخاطر، مشيراً إلى أن طبيعة حركة التجارة وسلاسل الإمداد تتطلب إعادة تقييم مستمرة للآليات والإجراءات وفق الظروف التشغيلية الفعلية.
وبحسب رؤيته، فإن الانتقال من إجراءات استباقية عامة إلى التعامل مع الشحنات وفق ظروفها ومساراتها الفعلية يمكن أن يمنح الأطراف العاملة في سلسلة الإمداد مساحة أكبر لاتخاذ قراراتها بناءً على بيانات تشغيلية محدثة.
انعكاسات محتملة على المستوردين وسلاسل الإمداد
تؤثر آليات التعامل مع حاويات الترانزيت بصورة مباشرة في عدد من عناصر سلسلة الإمداد، من بينها زمن وصول البضائع وتكاليف التخزين والنقل والتخليص، إلى جانب قدرة الشركات على التخطيط لمواعيد التسليم.
ويرى آل هليل أن مرونة الإجراءات يمكن أن تساعد المستوردين والجهات العاملة في الخدمات اللوجستية على اتخاذ قرارات النقل والتخزين وفق معطيات تشغيلية أكثر دقة، خصوصاً في ظل التغير المستمر في مسارات التجارة الدولية.
وفي المقابل، فإن أي اضطراب في النقل اللاحق أو تأخر في انتقال الحاويات إلى وجهاتها النهائية يمكن أن يؤدي إلى زيادة مدة التسليم ورفع تكلفة وصول المواد والبضائع إلى المصانع أو المستودعات.
لذلك تمثل إدارة الحاويات العابرة نقطة مهمة في الحفاظ على انسيابية سلاسل الإمداد، خصوصاً عندما تستخدم الموانئ كنقاط عبور للبضائع المتجهة إلى وجهات أخرى.
مسؤوليات الوكلاء الملاحيين في الترتيبات السابقة
فرضت الإجراءات التي بدأ العمل بها في يونيو 2026 عدداً من المتطلبات على الوكلاء الملاحيين، من بينها تحديد الوجهة النهائية والجهة المستفيدة من حاويات الترانزيت قبل وصول السفينة.
كما شملت المتطلبات استكمال التعاقد أو الترتيب المسبق للنقل اللاحق وتحديد الناقل البري أو مزود الخدمات اللوجستية المسؤول عن تنفيذ العملية.
وكان يتعين كذلك على الوكيل الملاحي توفير البيانات والمعلومات المتعلقة بالنقل عند طلبها، والاحتفاظ بالمستندات التي تثبت وجود ترتيبات مسبقة للنقل.
وتأتي هذه المتطلبات في إطار محاولة ربط وصول الحاوية إلى الميناء بخطة نقل واضحة، بدلاً من وصولها دون تحديد مسارها اللاحق أو الجهة المسؤولة عن إخراجها من الميناء.
التعامل مع الحاويات المتأخرة
تضمنت الترتيبات السابقة إجراءات بحق الحاويات التي لا يتم نقلها خلال المدد المحددة، حيث يمكن أن يتحمل الوكيل الملاحي تكاليف التخزين والمناولة والرسوم الأخرى الناتجة عن استمرار بقاء الحاويات في الميناء بعد انتهاء المهلة.
كما أتاحت الإجراءات للهيئة اتخاذ تدابير تنظيمية وتشغيلية بحق الخطوط الملاحية أو الوكلاء المخالفين، بما في ذلك تعليق استقبال حاويات الترانزيت التابعة لهم إلى حين معالجة أسباب المخالفة.
وكان الهدف الأساسي من هذه الإجراءات منع تراكم الحاويات في ساحات الموانئ وحماية الطاقة الاستيعابية المتاحة، خصوصاً في ظل أهمية الموانئ السعودية في حركة التجارة وسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية.
استمرار المتابعة التشغيلية
أكدت «موانئ» استمرار متابعة المؤشرات التشغيلية وحركة حاويات الترانزيت، مع إمكانية إعادة العمل بالإجراءات التي تم تعليقها أو إصدار إجراءات تنظيمية جديدة بحسب ما تقتضيه المصلحة التشغيلية.
ويعني ذلك أن آلية التعامل مع حاويات الترانزيت ستظل مرتبطة بتقييم مستمر لحجم التدفقات ومستويات الإشغال وسرعة المناولة وقدرة الموانئ على استيعاب الحركة.
وتتطلب هذه المرونة تحقيق توازن بين تسهيل حركة التجارة من جهة، وضمان عدم تحول حاويات الترانزيت إلى مصدر ضغط على الساحات والمرافق التشغيلية من جهة أخرى.
الموانئ السعودية ودورها في سلاسل الإمداد
تأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يستهدف تعزيز كفاءة الموانئ السعودية ورفع قدرتها على التعامل مع حركة التجارة الدولية، مع تنامي دور المملكة كمركز لوجستي يربط بين الأسواق في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتشكل كفاءة التعامل مع حاويات الترانزيت وإعادة التصدير والنقل اللاحق جزءاً أساسياً من قدرة الموانئ على الحفاظ على انسيابية حركة البضائع وتقليل فترات الانتظار والتخزين.
ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة الإجراءات التنظيمية وتعديلها وفق مؤشرات الأداء الفعلية تمثل جزءاً من إدارة العمليات اللوجستية، خصوصاً في قطاع يتأثر بصورة مستمرة بتغير مسارات التجارة والطلب العالمي وقدرات النقل البحري والبري.
خطوة تنظيمية مرتبطة بكفاءة التشغيل
يعكس قرار تعليق استكمال الترتيبات الاستباقية لحاويات الترانزيت توجهاً نحو مراجعة الأدوات التنظيمية وفق المتغيرات التشغيلية بدلاً من تثبيت آلية واحدة للتعامل مع جميع الحالات.
ومع استمرار «موانئ» في متابعة الأداء وإمكانية إعادة الإجراءات السابقة أو اتخاذ إجراءات بديلة، تظل كفاءة استخدام الطاقة الاستيعابية وسرعة خروج الحاويات واستمرارية سلاسل الإمداد عوامل رئيسية في تحديد الخطوات التنظيمية المقبلة.
وتكتسب هذه المرونة أهمية خاصة في ظل الدور المتنامي للموانئ السعودية في حركة التجارة الإقليمية والعالمية، حيث يمكن لأي تحسن في سرعة المناولة أو تقليل فترات بقاء الحاويات أن ينعكس على كفاءة سلسلة الإمداد وتكاليفها.

