«أبو لوزة».. عين تاريخية تحتضن أحد أبرز معالم التراث المعماري في القطيف

«أبو لوزة».. عين تاريخية تحتضن أحد أبرز معالم التراث المعماري في القطيف

يبرز «مبنى أبو لوزة» بوصفه أحد المعالم التراثية المرتبطة بتاريخ محافظة القطيف وعيونها المائية الشهيرة، إذ شُيّد فوق إحدى أبرز عيون المنطقة الشرقية، وتحول على مدى عقود إلى مقصد للأهالي والزوار، قبل أن يخضع لأعمال ترميم وتأهيل تستهدف الحفاظ على قيمته التاريخية وإعادة تفعيله كوجهة ثقافية.

مبنى تاريخي يعود إلى القرن الثالث عشر الهجري

يقع مبنى «أبو لوزة» في حي الخبّاقة شمال شرقي قرية التوبي في محافظة القطيف، وقد شُيّد عام 1289هـ، ليقدم نموذجاً للعمارة المحلية التقليدية التي اعتمدت على مواد البناء المتاحة في البيئة المحيطة.

واستخدم البناؤون المحليون في تشييد المبنى الحجر البحري والجص وجذوع النخيل، وفق أساليب البناء السائدة في المنطقة خلال تلك الفترة، ما منح الموقع طابعاً معمارياً يعكس طبيعة البيئة الساحلية وتراث المنطقة الشرقية.

ويتكون المبنى من قسمين مخصصين للرجال والنساء، إلى جانب غرفة مستطيلة بمحاذاة نبع العين، تضم أماكن للجلوس والراحة تعرف محلياً باسم «الدكات».

كما يحتوي الموقع على غرف للاستحمام وبركة مستطيلة تتغذى بالمياه من نبع العين عبر قناة مباشرة، وتحيط بها مصطبة علوية كانت مخصصة لجلوس الزوار.

مبنى مرتبط بعيون سيح القطيف

يرتبط «أبو لوزة» بمنظومة العيون المائية التي اشتهرت بها القطيف عبر تاريخها، ويشير الباحث في التراث المحلي عبد رب الرسول الغريافي إلى أن المبنى شُيّد فوق إحدى عيون «سيح القطيف» النبّاعة، التي تعود إلى آلاف السنين.

وتحيط بالعين مجموعة من العيون الأخرى، فيما ارتبط اختيار موقع المبنى بأهمية المياه التي اشتهرت بخصائصها الكبريتية، وهو ما أكدته دراسات حديثة، وفق ما أورده الباحث.

وتعكس هذه العلاقة بين المبنى والعين طبيعة الحياة المحلية في القطيف تاريخياً، حيث كانت مصادر المياه جزءاً أساسياً من الحياة اليومية والعمران والأنشطة الاجتماعية في المنطقة.

ثلاثة أسقف من الحجر وجذوع النخيل

يحمل المبنى ملامح معمارية تقليدية مميزة، وتشير التقارير الأثرية إلى أن أصل بنائه يعود إلى مئات السنين.

ويتكون «أبو لوزة» من ثلاثة أسقف حجرية شُيدت باستخدام الحصى والأحجار البحرية وجذوع النخيل، بحيث يعلو السقف الأول العين مباشرة، بينما يغطي الثاني بركة مخصصة للنساء، في حين يغطي السقف الثالث الممر المؤدي إلى الحمام.

ويضم المبنى كذلك خمس كوى وفرت الإضاءة والتهوية، إضافة إلى «الدكات» التي كانت تستخدم للجلوس، بما يعكس حلولاً معمارية محلية استجابت للظروف المناخية وطبيعة الاستخدام اليومي للموقع.

علاقة تاريخية بالغوص وصيد اللؤلؤ

لا يرتبط «أبو لوزة» بالمياه والعمارة فقط، بل يحمل أيضاً جانباً من تاريخ النشاط البحري في المنطقة، ولا سيما الغوص وصيد اللؤلؤ.

فبحسب الباحث عبد رب الرسول الغريافي، كان الغواصون ينزلون سنوياً إلى قاع العين لتنظيفها بعد انتهاء موسم صيد اللؤلؤ، في ممارسة ارتبطت بحياة الغواصين ومصادر المياه المحلية.

وتعود آخر عملية غوص موثقة في العين إلى عام 1980، لتشكل هذه الممارسة جانباً مهماً من الذاكرة المرتبطة بالموقع وتاريخ المجتمع المحلي في القطيف.

أعمال ترميم للحفاظ على الموقع

وفي عام 2025، نفذت هيئة التراث مشروعاً لترميم «مبنى أبو لوزة» على مراحل، شملت أعمال التوثيق والتدعيم والترميم والتأهيل.

وتهدف أعمال الترميم إلى المحافظة على العناصر المعمارية والتاريخية للمبنى، وتعزيز قدرته على الاستمرار بوصفه شاهداً على جانب من التراث العمراني والمائي والاجتماعي في القطيف.

ويجري حالياً إعداد خطة لتفعيل الموقع وتحويله إلى إحدى الوجهات الثقافية في المنطقة الشرقية، بما يتيح تقديمه للجمهور بصورة تعكس قيمته التاريخية والمعمارية.

من معلم تاريخي إلى وجهة ثقافية

يمثل تأهيل «أبو لوزة» جزءاً من توجه أوسع لحماية المواقع التراثية والمحافظة عليها وإعادة توظيفها بما يتناسب مع قيمتها التاريخية والثقافية.

ولا تقتصر أهمية الموقع على مبناه التقليدي، وإنما تجمع بين التراث المعماري وتاريخ العيون المائية والحياة الاجتماعية والنشاط المرتبط بالغوص وصيد اللؤلؤ، ما يمنحه قيمة ثقافية متعددة الأبعاد.

ومن شأن تفعيل الموقع كوجهة ثقافية أن يتيح للزوار التعرف على جانب من تاريخ القطيف وطبيعة الحياة التي تشكلت حول عيونها ومصادر مياهها، إلى جانب إبراز أساليب البناء التقليدية التي اعتمد عليها السكان في المنطقة.

التراث المحلي في قلب التنمية الثقافية

يأتي تأهيل «مبنى أبو لوزة» ضمن جهود المملكة لحماية التراث الثقافي والمحافظة على المواقع التاريخية وإدارتها بصورة فاعلة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في دعم القطاع الثقافي وتطوير المواقع التراثية.

وتسهم مشروعات الترميم والتأهيل في تحويل المواقع التاريخية من مبانٍ تحتاج إلى الحماية إلى وجهات حية يمكن للأجيال الحالية التعرف من خلالها على تاريخ مجتمعاتها، مع إمكانية دمجها في مسارات السياحة الثقافية والتنمية المحلية.

ويمثل «أبو لوزة» نموذجاً لموقع يجمع بين التاريخ والعمران والمياه والذاكرة الاجتماعية، ويكشف جانباً من التراث المحلي الذي تشكل عبر قرون في القطيف والمنطقة الشرقية.