استعاد مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» في الرياض جانبًا من الذاكرة التاريخية للمملكة من خلال معرض مصاحب جمع صورًا ووثائق وأسلحة ومقتنيات نادرة، بعضها يعود إلى أكثر من ثلاثة قرون، مقدّمًا سردًا بصريًا يوثق مراحل تطور مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والعاصمة الرياض.
وضم المعرض مشاركات من عدد من الجهات الحكومية، حيث تنوعت المعروضات بين أسلحة تاريخية، وصور أرشيفية، ووثائق ومخطوطات، ومقتنيات تراثية، لتقدم صورة عن التحولات التي مرت بها المملكة منذ مراحلها التاريخية المبكرة وصولًا إلى مراحل بناء مؤسسات الدولة وتطورها.
سيوف عمرها أكثر من ثلاثة قرون
استحوذت مجموعة من السيوف النادرة على جانب من اهتمام زوار المعرض، إذ يتجاوز عمر بعضها 300 عام، بما يجعلها شاهدًا ماديًا على مرحلة تاريخية سبقت قيام مؤسسات الدولة الحديثة وتطور المنظومة الأمنية والعسكرية بالشكل الذي تعرفه المملكة اليوم.
كما عرض جناح وزارة الحرس الوطني مجموعة متنوعة من الأسلحة والمقتنيات التاريخية، من بينها بندقية «الصمعاء» المصنوعة عام 1899، إلى جانب بندقية «الماوزر» الطويلة المصنوعة عام 1936، والتي تحمل شعار ملك الحجاز ونجد.
وضمت المجموعة كذلك عددًا من البنادق التراثية ذات التسميات المتداولة تاريخيًا، بينها «الفتيل» و«أم سك» و«أم طلقة» و«أم صندوق» و«النيمس»، إلى جانب السيوف النادرة التي توثق جانبًا من تاريخ الأسلحة المستخدمة في المنطقة.
«الرياض».. أول قطعة بحرية قتالية
وفي جناح وزارة الدفاع، استعرضت أكثر من 20 صورة تاريخية نادرة مراحل مختلفة من تطور القوات المسلحة السعودية، ومن بينها صورة لاستعراض مدرعات «م8» المرتبطة بتاريخ تأسيس سلاح المدرعات عام 1353هـ.
كما تضمن الجناح صورة تاريخية للزورق «الرياض»، الذي يمثل أول قطعة بحرية قتالية، ودُشن في 23 ذي القعدة 1379هـ، في محطة تعكس بدايات تطور القوات البحرية السعودية ومسار بناء القدرات العسكرية للدولة.
ولا تقتصر أهمية هذه الصور على توثيق المعدات العسكرية، بل تقدم أيضًا قراءة بصرية للتحولات التي شهدتها المؤسسات العسكرية السعودية على مدى عقود.
صور نادرة للملك عبدالعزيز وتاريخ الرياض
وقدمت مكتبة الملك فهد الوطنية جانبًا آخر من التاريخ من خلال مجموعة من الصور النادرة للملك عبدالعزيز آل سعود في شبابه، إلى جانب صور تاريخية للرياض والدرعية.
وشملت المعروضات أيضًا مخطوطات ووثائق تحمل تقييدات لأبناء الأسرة الحاكمة، فضلًا عن مجموعات من الطوابع التي كانت متداولة خلال فترة توحيد المملكة، بما يعكس جوانب من التاريخ السياسي والإداري والاجتماعي للمملكة.
وتمنح هذه الوثائق والصور الباحثين والزوار فرصة للنظر إلى التاريخ من خلال مصادر أصلية ومقتنيات أرشيفية، بدل الاكتفاء بالسرد المكتوب، وهو ما يضيف بعدًا معرفيًا إلى المعرض المصاحب للمؤتمر.
الرياض قبل عقود.. صور ترصد التحول العمراني
ولم يغفل المعرض عن التحول الذي شهدته العاصمة، إذ عرضت الهيئة الملكية لمدينة الرياض ألبومات وصورًا تاريخية ترصد ملامح المدينة في مراحل سابقة.
وضمت المجموعة صورًا لعدد من المواقع والمعالم القديمة، من بينها بوابة الثميري، وبوابة الرياض الجنوبية، وطريق البطحاء، والصفاة، ومساجد دخنة، وسوق الحراج، والجامع الكبير، إضافة إلى صورة جوية لحي المربع.
وتكشف هذه الصور حجم التغير الذي طرأ على النسيج العمراني للرياض، من مدينة ذات نطاق عمراني محدود ومعالم تقليدية إلى عاصمة حديثة ذات امتداد حضري واسع ومكانة اقتصادية وسياسية متنامية.
وبذلك لا يقدم جناح الهيئة الملكية مجرد صور قديمة للعاصمة، وإنما يوثق مراحل التحول العمراني والاجتماعي التي مرت بها الرياض، ويضع التطور الحالي للمدينة في سياقه التاريخي.
التاريخ في خدمة فهم الحاضر
ويأتي هذا المعرض ضمن فعاليات مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ»، الذي يناقش العلاقة بين الأمن والاستقرار ومسيرة بناء الدولة، ويستعيد عبر الوثائق والمقتنيات جوانب من التجربة السعودية عبر مراحل زمنية مختلفة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأنها تربط بين التاريخ المؤسسي والتطور الذي شهدته القطاعات الأمنية والعسكرية والعمرانية، وتوضح كيف تحولت الخبرات المتراكمة عبر الزمن إلى مؤسسات أكثر تنظيمًا وقدرة على التعامل مع متطلبات الدولة الحديثة.
كما أن عرض مقتنيات عمرها مئات السنين إلى جانب صور ووثائق من مراحل أكثر حداثة يتيح للزائر متابعة مسار التحول بصورة متدرجة، من الأدوات والأسلحة التقليدية إلى بناء المؤسسات والقدرات الحديثة.
أكثر من 160 متحدثًا و65 جلسة
ويختتم مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» أعماله في الرياض في 8 سبتمبر 2026، بعد برنامج موسع يضم أكثر من 65 جلسة ولقاءً تفاعليًا، بمشاركة أكثر من 160 متحدثًا من القيادات والخبراء والأكاديميين.
ويجمع المؤتمر بين الجلسات الحوارية والمعرض المصاحب والفعاليات المعرفية والثقافية، في محاولة لفتح مساحة للنقاش حول التاريخ والأمن ومسيرة بناء الدولة، مع الاستفادة من التجارب السابقة لفهم التحولات التي تشهدها المملكة اليوم.
وبين سيف يعود عمره إلى ثلاثة قرون، وبندقية صنعت في نهاية القرن التاسع عشر، وصور توثق بدايات تطور القوات المسلحة، وأرشيف يستعيد ملامح الرياض والدرعية، يقدم المعرض رسالة واضحة مفادها أن قراءة الحاضر لا تكتمل دون فهم المسار التاريخي الذي سبقه.

