في لقاء بدا مختلفاً عن اللقاءات السياسية التقليدية، ظهر الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو خلال زيارته إلى الرياض بأسلوب أقرب إلى رجل يؤمن ببناء الجسور أكثر من إلقاء الخطابات الرسمية. داخل السفارة الكولومبية الجديدة في العاصمة السعودية، لم يكن الحديث عن افتتاح المبنى أو المراسم الدبلوماسية، بل عن مستقبل جديد من الشراكات بين كولومبيا والمملكة.
وقال بيترو خلال حديثه: “جئت إلى هنا لأوجّه دعوة… لا لأطلب، بل لأدعو”.
القهوة الكولومبية… خبرة أجيال وليست مجرد تجارة
ركز الرئيس الكولومبي خلال زيارته على التعاون مع المملكة في قطاع القهوة والزراعة، خصوصاً بعد اجتماعاته مع شركة القهوة السعودية التابعة لصندوق الاستثمارات العامة.
وأوضح أن علاقته بالقهوة ليست اقتصادية فقط، بل شخصية وعائلية، قائلاً إن جده ووالده عملا في زراعة القهوة، مضيفاً: “أعرف هذه النبتة أكثر مما أعرف السياسة”.
ويرى بيترو أن العلاقة بين كولومبيا والمملكة لا يجب أن تقوم على تصدير البن فقط، بل على نقل المعرفة والخبرة المتراكمة عبر أجيال كاملة من المزارعين الكولومبيين، خاصة بعد حصول صادرات القهوة والكاكاو الكولومبية على شهادة الحلال، ما فتح الباب أمام توسع أكبر داخل الأسواق العربية.
كما أشار إلى أهمية دعم المجتمعات الزراعية التي تحولت من زراعة الكوكا إلى القهوة، مؤكداً أن هذه المجتمعات تحتاج إلى أسواق جديدة، وأن المملكة يمكن أن تصبح شريكاً استراتيجياً لها.
وأضاف: “لديكم رؤية واضحة هنا، رؤية 2030، وهي رؤية تقوم على الأمن الغذائي والزراعة والتكنولوجيا… ونحن نستطيع أن نكون شركاء حقيقيين في ذلك”.
«بلد الجمال»… هكذا يرى بيترو كولومبيا
كرر الرئيس الكولومبي خلال اللقاء عبارة “بلد الجمال”، وهي الطريقة التي يصف بها كولومبيا، لكنه لم يكن يتحدث عن السياحة التقليدية أو الصور الترويجية المعتادة، بل عن تجربة إنسانية وثقافية متكاملة يريد للزوار السعوديين اكتشافها بأنفسهم.
وتحدث بحماس كبير عن غابات الأمازون، واصفاً إياها بأنها “عالم حي كامل” وليس مجرد غابة، مؤكداً أن الدفاع عن الطبيعة بالنسبة له قضية شخصية وليست مجرد خطاب سياسي.
كما استعرض أبرز المدن الكولومبية التي يراها قادرة على جذب الزوار من المملكة، بدءاً من سانتا مارتا التاريخية، مروراً ببارانكيا النابضة بالحياة، ووصولاً إلى العاصمة بوغوتا، قبل أن يتوقف بابتسامة عند مدينة كارتاخينا قائلاً: “كارتاخينا تتحدث عن نفسها”.
وأكد أن كولومبيا تعمل حالياً على تطوير الفنادق والخدمات والتجارب السياحية، ليس لاستقبال “سياح”، بل “ضيوف”.
المملكة نموذج للتغيير السريع
الرئيس الكولومبي أوضح أنه اصطحب خمسة وزراء معه إلى الرياض ليس للمشاركة البروتوكولية فقط، بل للتعلم ومراقبة التجربة السعودية عن قرب.
وقال: “طلبت منهم أن يراقبوا كل شيء… كيف يتم البناء، وكيف تُدار المشاريع، وكيف تتحرك المملكة بهذه السرعة”.
وأضاف أن كولومبيا تمتلك الموارد، بينما تمتلك المملكة الزخم والرؤية، معتبراً أن التعاون بين الطرفين قد يفتح آفاقاً اقتصادية وتنموية ضخمة.
لقاء ولي العهد… حديث عن المستقبل
وخلال حديثه عن لقائه مع محمد بن سلمان، أوضح بيترو أن النقاش تركز على المستقبل وبناء شراكات حقيقية طويلة الأمد.
وقال: “رؤيته واضحة… ليست مجرد أحلام، بل خطط عملية”.
وأشار إلى أن المباحثات تناولت ملفات الزراعة، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي، إضافة إلى آليات بناء تعاون جاد بين البلدين بعيداً عن المجاملات الدبلوماسية التقليدية.
الطاقة النظيفة… تعاون محتمل من لا غواخيرا إلى العالم
كما تطرق الرئيس الكولومبي إلى فرص التعاون في قطاع الطاقة النظيفة، خاصة في منطقة “لا غواخيرا” التي وصفها بأنها تمتلك إمكانيات هائلة في مجالي الرياح والطاقة الشمسية.
وأكد أن المملكة بخبرتها الكبيرة في قطاع الطاقة، وكولومبيا بإمكاناتها الطبيعية، يمكنهما بناء مشاريع قادرة على التأثير في مستقبل الطاقة داخل القارة الأميركية بأكملها.
منح دراسية وتبادل ثقافي بين البلدين
وكشف بيترو عن إطلاق 27 منحة دراسية ممولة بالكامل للطلاب الكولومبيين للدراسة في المملكة ابتداءً من العام المقبل، موضحاً أن الفرصة لن تقتصر على طلاب العاصمة، بل ستشمل مختلف مناطق كولومبيا.
كما تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي الثقافة في البلدين تشمل تبادل الفنانين والكتّاب والموسيقيين وبرامج الإقامة الثقافية.
ووصف الرئيس الكولومبي هذا النوع من التعاون بأنه “أفضل أنواع الدبلوماسية”.
افتتاح أول سفارة كولومبية في الرياض
وخلال حديثه، أشاد الرئيس الكولومبي بالسفير ريان البركشي أبوترابي، الذي يقود أول بعثة دبلوماسية كولومبية مقيمة في الرياض، مؤكداً أن العلاقات الحقيقية تُبنى عبر الأشخاص وليس المباني.
وقال: “السفارة مجرد حجر وزجاج… أما العلاقات الحقيقية فهي البشر”.
«لسنا غرباء»… روابط تاريخية بين العرب وكولومبيا
وفي ختام اللقاء، تحدث بيترو عن الجذور العربية داخل المجتمع الكولومبي، مشيراً إلى موجات الهجرة العربية القديمة القادمة من فلسطين ومناطق أخرى من الشرق الأوسط.
وقال: “الشعب الكولومبي يحمل دماً عربياً… هذه العلاقة ليست جديدة، بل هي امتداد لقرون طويلة.”
دعوة مفتوحة للمملكة
وقبل انتهاء اللقاء، وجّه الرئيس الكولومبي رسالة مباشرة إلى قراء صحيفة التايمز السعودية قائلاً:
“كولومبيا جاهزة… للاستثمار، للشراكات، وللزوار. نحن لا نطلب صدقة، بل نعرض التعاون. تعالوا وشاهدوا ما بنيناه… وبعدها نتحدث”.

