المملكة تحتفي باليوم العالمي للتصوير وتسلط الضوء على الطبيعة والتراث والمواهب المحلية

المملكة تحتفي باليوم العالمي للتصوير وتسلط الضوء على الطبيعة والتراث والمواهب المحلية

احتفت المملكة باليوم العالمي للتصوير، الذي يصادف 19 أغسطس من كل عام، عبر تسليط الضوء على دور التصوير الفوتوغرافي في توثيق تنوعها الطبيعي والثقافي، وإبراز جهود المصورين المحليين في تسجيل تفاصيل الحياة اليومية والمواقع التراثية والحياة البرية ومشروعات المحافظة على البيئة.

وتزامنت المناسبة هذا العام مع مجموعة من المبادرات والأنشطة التي تعكس تنامي الاهتمام بالتصوير باعتباره فناً ووسيلة لحفظ الذاكرة البصرية للمكان، في ظل اتساع الفرص المتاحة أمام المصورين من خلال المسابقات والمعارض وورش العمل والبرامج التدريبية.

تنوع جغرافي يمنح المصورين مشاهد مختلفة

تمثل الطبيعة المتنوعة في المملكة مصدراً واسعاً للمصورين، إذ تجمع مناطقها بين الجبال والوديان والسواحل والصحارى والمواقع التاريخية والواحات الزراعية.

وتبرز العلا كإحدى أبرز الوجهات التي تستقطب المصورين، بما تضمه من تشكيلات صخرية ومواقع أثرية وواحات زراعية تعكس مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، إلى جانب طبيعتها الصحراوية التي تمنح المصورين فرصاً واسعة لتوثيق المشهد الطبيعي.

كما تحظى المنطقة باهتمام متزايد من مصوري السماء والنجوم، مستفيدين من انخفاض التلوث الضوئي في عدد من مواقعها، ما يتيح التقاط صور درب التبانة فوق التكوينات الصخرية والمناظر الصحراوية.

ولا يقتصر التنوع البصري على العلا، إذ تتيح مناطق أخرى للمصورين توثيق أنماط مختلفة من الطبيعة والتراث، من جبال عسير إلى سواحل البحر الأحمر والصحارى، حيث يتطلب كل مشهد أسلوباً مختلفاً في التعامل مع الضوء والتكوين والقصة التي تنقلها الصورة.

التصوير يتجاوز التقاط الصور إلى توثيق الذاكرة

قال المصور السعودي أحمد الغامدي، البالغ من العمر 35 عاماً، إن المشهد تغير بشكل واضح منذ بداياته في مجال التصوير، مشيراً إلى أن الفرص المتاحة أمام المصورين أصبحت أكبر، سواء من خلال المعارض أو المسابقات أو ورش العمل أو الاهتمام المتزايد بالتصوير باعتباره شكلاً من أشكال الفن.

ويرى الغامدي أن أهمية التصوير لا تقتصر على إنتاج صور جميلة، بل تمتد إلى توثيق الأماكن والأشخاص والتفاصيل التي قد تتغير بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.

وأوضح أن الصورة يمكن أن تصبح سجلاً بصرياً للمكان والناس، بحيث تمنح الأجيال المقبلة فرصة للتعرف على تفاصيل قد لا تكون موجودة بالشكل نفسه بعد 10 أو 20 عاماً.

كما أشار إلى أن انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي جعل التصوير أكثر سهولة وأتاح لعدد أكبر من الأشخاص تجربة هذا المجال من دون الحاجة إلى معدات باهظة الثمن، لكنه أكد في الوقت نفسه أن التقاط آلاف الصور يختلف عن امتلاك القدرة على سرد قصة متكاملة من خلال صورة واحدة.

جائزة المملكة للتصوير تعزز المواهب المحلية

وتبرز جائزة المملكة للتصوير، التي أطلقتها هيئة الفنون البصرية عام 2022، باعتبارها إحدى المبادرات التي أسهمت في دعم المواهب وتوسيع حضور التصوير الفوتوغرافي في المشهد الفني المحلي.

واستقبلت الجائزة منذ إطلاقها أكثر من 2000 مشاركة، واختارت نحو 41 فائزاً عبر ثلاث دورات.

واتخذت كل دورة من دورات الجائزة منطقة مختلفة محوراً للمشاركين، إذ بدأت في تبوك ثم انتقلت إلى الأحساء وعسير، ما أتاح للمصورين استكشاف بيئات متباينة من حيث الطبيعة والعمارة والتراث والثقافة.

ولم تقتصر المبادرة على المنافسة، بل تضمنت أيضاً ورشاً لتطوير المهارات، بما يمنح المشاركين فرصة لتطوير أدواتهم الفنية والتعرف على أساليب جديدة في التعامل مع التصوير وتوثيق الأماكن.

التصوير السعودي يصل إلى الجمهور الدولي

امتد حضور التصوير السعودي إلى الساحة الدولية، حيث عُرضت أعمال مختارة من جائزة المملكة للتصوير ضمن معرض «In a New Light» في مبنى أبازيا بمدينة البندقية الإيطالية.

ومثّل المعرض فرصة لتقديم نماذج من التصوير السعودي المعاصر إلى جمهور دولي، وإبراز الطريقة التي يتعامل بها الفنانون المحليون مع الطبيعة والتراث والهوية والمشهد الاجتماعي.

ويعكس هذا الحضور الدولي تنامي الاهتمام بالمشهد البصري السعودي، بالتزامن مع توسع المبادرات الثقافية والفنية التي تمنح المبدعين المحليين منصات لعرض أعمالهم داخل المملكة وخارجها.

التصوير في خدمة حماية البيئة

لا يقتصر دور التصوير في المملكة على المجال الفني والثقافي، بل أصبح أداة مهمة في توثيق الحياة البرية ومشروعات حماية البيئة.

وفي محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، اختُتم برنامج تدريبي استمر ستة أشهر بهدف تمكين العاملين في المحمية من توثيق الحياة الطبيعية والتراث وجهود الحفاظ على البيئة.

وبدأ البرنامج بتدريب 36 موظفاً على استخدام الهواتف الذكية في التصوير، قبل اختيار 13 مشاركاً، بينهم تسعة رجال وأربع نساء، للانتقال إلى تدريب متقدم باستخدام كاميرات احترافية من نوع DSLR تحت إشراف المصورة الدولية أنجيلا باكلاند.

وضمت المجموعة مفتشين بيئيين وأخصائيين في الأحياء والتنوع الحيوي ومتخصصين في تنمية المجتمع.

وخلال البرنامج، وثق المشاركون جوانب مختلفة من الحياة داخل المحمية، بما في ذلك جهود المحافظة على الأنواع وإعادة توطين عدد من الحيوانات، من بينها النعام أحمر الرقبة والأرانب البرية العربية والحبارى الآسيوية.

عدسة العاملين توثق الحياة البرية

شارك في البرنامج مفتش البيئة عبدالله الحويطي، الذي استخدم التصوير لتوثيق أعمال التفتيش الميداني والحياة البرية، إلى جانب المفتشة البحرية سلمى عزيز القصير، التي ركزت على توثيق الأنواع البحرية ومواقع تعشيش السلاحف في ضباء.

كما استخدم علي الفقيه، مدير إدارة التنوع الحيوي والأبحاث في المحمية، التصوير ضمن أعماله الميدانية والبحثية، وسجل في عام 2025 أول رصد للنسر أبيض الذيل في المملكة منذ أكثر من عقدين.

ولم تبقِ الصور التي التقطها المشاركون داخل إطار التوثيق الميداني، إذ عُرضت أعمالهم في ضباء والوجه، إلى جانب الأعمال الفائزة في مسابقة فنية مدرسية شارك فيها أكثر من 1000 من أبناء المنطقة.

وتستعد المحمية لتنظيم معرض وطني للتصوير في عام 2027، كما تخطط لإطلاق تدريب متخصص في إنتاج الفيديو، في خطوة توسع نطاق استخدام الأدوات البصرية في توثيق البيئة والحياة البرية.

الصورة كذاكرة للمكان والإنسان

ويرى المصور أحمد الغامدي أن القيمة الحقيقية للتصوير تظهر بمرور الوقت، عندما تصبح الصور سجلاً للحظات والأماكن التي تغيرت أو اختفت.

وقال إن العودة إلى الصور التي التقطها قبل سنوات تكشف أحياناً أن بعض الأماكن تغيرت، وأن بعض الأشخاص الذين ظهروا فيها لم يعودوا موجودين، وهو ما يبرز أهمية توثيق التفاصيل اليومية إلى جانب الأحداث الكبرى.

وبين الفن والتراث والطبيعة وحماية البيئة، يواصل التصوير الفوتوغرافي ترسيخ حضوره في المملكة كوسيلة تجمع بين الإبداع والتوثيق، وتقدم صورة بصرية متجددة عن التنوع الجغرافي والثقافي والحياة اليومية، فيما تتيح المبادرات والمسابقات وبرامج التدريب للمواهب المحلية مساحة أكبر لتطوير أعمالها والوصول بها إلى الجمهورين المحلي والدولي.