شراكة سعودية هولندية واعدة في الطاقة النظيفة

شراكة سعودية هولندية واعدة في الطاقة النظيفة

أكد الدبلوماسي الهولندي السابق والباحث في شؤون الجزيرة العربية مارسيل كوربرسهوك أن العلاقات التاريخية بين المملكة وهولندا توفر أساسًا متينًا لتوسيع التعاون بين البلدين في مجالات الطاقة النظيفة والثقافة والاقتصاد، مشيرًا إلى أن الجمع بين رأس المال السعودي والخبرة التقنية الهولندية يمكن أن يفتح فرصًا جديدة أمام مشروعات الطاقة الخضراء.

وجاءت تصريحات كوربرسهوك خلال مشاركته في مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي تنظمه وزارة الداخلية في الرياض خلال الفترة من 6 إلى 8 سبتمبر، بمشاركة أكثر من 160 خبيرًا ومتخصصًا من المملكة وخارجها.

الطاقة النظيفة في صدارة فرص التعاون

يرى كوربرسهوك أن هولندا تستطيع تقديم قيمة مضافة مهمة للمملكة في قطاع الطاقة الخضراء، موضحًا أن البلدين يمتلكان مقومات متكاملة يمكن توظيفها لبناء شراكات طويلة الأمد.

وأوضح أن هولندا لا تستطيع تقديم مساهمة كبيرة في إنتاج النفط والغاز، لكنها تمتلك خبرات تقنية ومالية يمكن أن تدعم الطموحات المشتركة في مجال الطاقة النظيفة.

وتكتسب هذه الفرصة أهمية خاصة في ظل المكانة المحورية للمملكة في أسواق الطاقة العالمية، بالتزامن مع التحول الاقتصادي الذي تشهده ضمن رؤية السعودية 2030، وما يصاحبه من توسع في الاستثمارات المتعلقة بالطاقة المتجددة والاستدامة والتقنيات منخفضة الانبعاثات.

رأس المال السعودي والخبرة الهولندية

أشار الدبلوماسي السابق إلى أن تطوير الطاقة الخضراء يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وهي نقطة يمكن أن تشكل أساسًا عمليًا للتعاون بين البلدين.

فالمملكة تمتلك رأس المال والرغبة في تطوير هذا القطاع، بينما تستطيع هولندا توفير جانب من الخبرات الفنية والتقنية اللازمة لتطوير المشروعات والمنظومات المرتبطة بالطاقة النظيفة.

ويرى كوربرسهوك أن هذا التكامل يمكن أن يتجاوز مجرد الاستثمار المباشر، ليشمل نقل المعرفة وتطوير التقنيات وبناء القدرات وإقامة مشروعات مشتركة يمكن أن تستفيد منها الأسواق في البلدين.

علاقات تاريخية تتجاوز الاقتصاد

لا تستند العلاقات السعودية الهولندية إلى المصالح الاقتصادية الحديثة فقط، إذ تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، وشهدت مراحل متعددة من التعاون في مجالات مختلفة.

وخلال حديثه عن التاريخ المشترك، أشار كوربرسهوك إلى لقاء الدبلوماسي الهولندي دانيال فان دير مولن بالملك عبدالعزيز في جدة عام 1926، باعتباره محطة مبكرة في العلاقات بين الجانبين.

وأوضح أن موضوع سلامة وراحة الحجاج كان من أبرز القضايا التي تناولها اللقاء، في ظل وجود ملايين المسلمين القادمين من جزر الهند الشرقية الهولندية، التي كانت خاضعة آنذاك للاستعمار الهولندي.

وكان الاهتمام بالحج أحد الجوانب العملية المبكرة للعلاقة، قبل أن تتوسع المحادثات لتشمل الجوانب الاقتصادية والتنموية.

من الخدمات المصرفية إلى التعاون في الطاقة

تطرق كوربرسهوك أيضًا إلى البعد الاقتصادي في اللقاء التاريخي، مشيرًا إلى أن المملكة لم تكن قد طورت نظامًا مصرفيًا متكاملًا في ذلك الوقت، بينما أدرك الملك عبدالعزيز أهمية وجود قطاع مصرفي في عملية التحديث الاقتصادي.

وفي عام 1926، افتتحت Netherlands Trading Society فرعًا لها في جدة، والذي أصبح لاحقًا جزءًا من المسار الذي أدى إلى تأسيس البنك السعودي الهولندي ثم البنك الأول.

ويرى كوربرسهوك أن التجربة التاريخية تقدم درسًا مهمًا للتعاون المستقبلي، وهو أن بناء العلاقات الاقتصادية لا يعتمد على رأس المال وحده، وإنما يرتبط أيضًا بـالثقة.

ومن هذا المنطلق، يرى أن الثقة نفسها يمكن أن تكون عنصرًا أساسيًا في تطوير شراكات جديدة في مجال الطاقة النظيفة.

الطاقة النظيفة لم تعد خيارًا ثانويًا

شدد كوربرسهوك على أن التحول نحو الطاقة النظيفة لم يعد مجرد توجه بيئي أو رفاهية اقتصادية، بل أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على تحقيق النمو والاستدامة على المدى الطويل.

واستشهد بفضيحة Dieselgate المرتبطة بشركة فولكسفاغن، والتي كشفت عام 2015 عن استخدام برمجيات للتلاعب باختبارات انبعاثات بعض سيارات الديزل، باعتبارها مثالًا على التداعيات الاقتصادية والبيئية الكبيرة لعدم الالتزام بالمعايير البيئية.

ويرى أن مفهوم الطاقة النظيفة أصبح اليوم مرتبطًا بالنجاح الاقتصادي والمالي، وليس فقط بحماية البيئة.

السيارات الكهربائية بين الرياض وأمستردام

تتقاطع الطموحات السعودية والهولندية أيضًا في مجال النقل منخفض الانبعاثات.

وتستهدف هولندا وصول مبيعات سيارات الركاب الجديدة عديمة الانبعاثات إلى 100% بحلول عام 2030، بينما تتضمن مستهدفات المملكة أن تعمل 30% من المركبات في الرياض بالكهرباء ضمن توجهات رؤية 2030.

ويعكس هذا التقارب إمكانية تطوير مجالات تعاون جديدة في السيارات الكهربائية والبنية التحتية للشحن والطاقة وإدارة المدن، إلى جانب التقنيات التي تدعم التحول إلى وسائل نقل أكثر استدامة.

الثقافة بوابة أخرى لتعميق العلاقات

لا يرى كوربرسهوك أن التعاون السعودي الهولندي يجب أن يتوقف عند الطاقة والاقتصاد، إذ يعتقد أن المجال الثقافي يحمل فرصًا كبيرة أيضًا.

وقد منحته مسيرته الدبلوماسية والأكاديمية زاوية مختلفة لفهم العلاقات بين البلدين؛ فقد عمل في السلك الدبلوماسي الهولندي، وشغل لاحقًا منصب سفير بلاده لدى باكستان وأفغانستان وتركيا وبولندا، كما أجرى أبحاثًا واسعة حول الشعر العربي الشفهي وثقافة البدو والتراث في الجزيرة العربية.

ويرى أن الثقافة السعودية تمتلك ثراءً كبيرًا لا يزال قادرًا على إنتاج فرص واسعة للتبادل الثقافي والمعرفي.

ووصف هذا الرصيد الثقافي بأنه أشبه بـ**«نفط غير مستكشف»**، في إشارة إلى الإمكانات التي يمكن أن توفرها الثقافة والتراث في تعزيز العلاقات الدولية.

قراءة مستقبل المملكة من منظور الملك عبدالعزيز

وفي تقييمه لمسار المملكة ومستقبلها، اقترح كوربرسهوك النظر إلى التطورات من منظور الملك عبدالعزيز، عبر طرح أسئلة من نوع: ماذا كان سيفكر؟ ماذا كان سيفعل؟ وما الذي كان سينتقده أو يسعى إلى تحسينه؟

ويرى أن استخدام هذا المنظور التاريخي يمكن أن يساعد في فهم التحولات التي تشهدها المملكة، خصوصًا في المجالات الاجتماعية والثقافية.

ويؤكد هذا الطرح أهمية الاستفادة من التاريخ ليس باعتباره سجلًا للماضي فقط، وإنما كأداة لفهم القرارات الحالية واستشراف المسارات المستقبلية.

شراكة تجمع الطاقة والاقتصاد والثقافة

تكشف تصريحات الدبلوماسي الهولندي السابق عن مساحة واسعة يمكن أن تتحرك فيها العلاقات السعودية الهولندية خلال المرحلة المقبلة.

ففي الوقت الذي تبحث فيه المملكة عن تطوير قطاعات جديدة وتنويع اقتصادها والاستثمار في التقنيات والطاقة النظيفة، تمتلك هولندا خبرات متقدمة يمكن توظيفها في مجالات الطاقة والتقنيات الخضراء والنقل المستدام.

وفي المقابل، توفر المملكة رأس المال وحجم السوق والطموح الاستثماري والقدرة على تنفيذ مشروعات واسعة النطاق.

ومع إضافة البعد الثقافي والتاريخي إلى هذا التعاون، تبدو العلاقة بين البلدين مرشحة للانتقال من شراكات اقتصادية تقليدية إلى تعاون أكثر اتساعًا يجمع الاستثمار والتكنولوجيا والاستدامة والثقافة والمعرفة.

وفي ظل تسارع التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، قد يمثل الجمع بين الموارد والاستثمارات السعودية والخبرة التقنية الهولندية أحد المسارات الواعدة لبناء مشروعات مشتركة قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.