الأمن والاستقرار في المملكة يمهدان الطريق أمام استثمارات التنقل الجوي المتقدم وتصنيع الطائرات الكهربائية في الرياض

الأمن والاستقرار في المملكة يمهدان الطريق أمام استثمارات التنقل الجوي المتقدم وتصنيع الطائرات الكهربائية في الرياض

أكدت إيفون وينتر، الرئيسة التنفيذية لشركة FlyNow Arabia ورئيسة تحالف Sky Alliance for Automated Air Mobility، أن ما تتمتع به المملكة من أمن واستقرار ورؤية استثمارية وبنية تحتية متقدمة يجعلها سوقًا واعدة لتطوير الجيل الجديد من وسائل النقل الجوي الآلي، مشيرة إلى أن الشركة تعتزم تصنيع طائراتها الكهربائية داخل المملكة والانطلاق منها إلى الأسواق العالمية.

وجاءت تصريحات وينتر خلال مشاركتها في مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي انطلقت أعماله في قصر الثقافة بحي السفارات في الرياض، تحت شعار «تاريخنا ومستقبلنا: الأمن والازدهار»، بمشاركة مسؤولين وخبراء وباحثين وقادة دوليين لمناقشة العلاقة بين الأمن والتنمية والنمو الاقتصادي.

الأمن عنصر أساسي لجذب الاستثمارات التقنية

ربطت وينتر بين الأمن والاستقرار وبين قدرة الدول على جذب الاستثمارات طويلة الأجل في الصناعات والتقنيات الناشئة، مؤكدة أن المستثمرين في القطاعات الجديدة يحتاجون إلى بيئة آمنة ومستقرة يمكنهم الاعتماد عليها لسنوات طويلة.

وقالت إن الشركات التي تعمل على تطوير شكل جديد بالكامل من وسائل النقل تحتاج إلى التأكد من توافر المتطلبات الأساسية، بما في ذلك تطور الأنظمة واللوائح، وإمكانية إنشاء البنية التحتية اللازمة، ووجود رؤية واضحة وقدرة مؤسسية ومالية لدعم الصناعة على المدى الطويل.

وبحسب وينتر، فإن هذه العوامل تمنح المستثمرين والشركاء الثقة اللازمة لضخ رؤوس أموال كبيرة في تقنيات لا تزال في مراحل التطور والتوسع.

FlyNow Arabia تخطط للتصنيع من الرياض

تعمل FlyNow Arabia على تطوير طائرات كهربائية معيارية تعرف باسم e-copters، صُممت لتلبية مجموعة من الاستخدامات، من بينها الإجلاء الطبي ومكافحة الحرائق ونقل البضائع، إلى جانب نقل الركاب.

وفي خطوة تعكس توجه الشركة نحو ترسيخ وجودها في المملكة، استحوذت FlyNow Arabia مؤخرًا على حصة الأغلبية في كيانها السابق في النمسا، قبل نقل مقرها العالمي إلى الرياض.

وأكدت وينتر أن الشركة لا تنظر إلى المملكة باعتبارها سوقًا للتشغيل فقط، بل تخطط أيضًا لإنشاء عمليات الإنتاج داخلها.

وقالت إن المملكة ستكون سوق الإطلاق للشركة ومنصة للانتقال من السعودية إلى العالم، موضحة أن المؤسسين يرون في المملكة البيئة المناسبة لتطوير التقنية وبناء منظومة متكاملة حولها، قبل تصدير الحلول إلى الأسواق الدولية.

لماذا ترى الشركة أن المملكة سوق مثالية للتنقل الجوي المتقدم؟

ترى وينتر أن المملكة تمتلك مجموعة من المقومات التي تجعلها مناسبة لتطوير قطاع التنقل الجوي المتقدم، من بينها القيادة ذات الرؤية المستقبلية، والقاعدة السكانية الشابة والمتعلمة، وحجم السوق، إلى جانب الاحتياجات المتنامية للحلول الجديدة في النقل والخدمات اللوجستية والطوارئ.

كما أشارت إلى قدرة المملكة المالية على تطوير المنظومة المتكاملة اللازمة لإطلاق وسيلة نقل جديدة، مؤكدة أن بناء قطاع التنقل الجوي المتقدم لا يقتصر على تصنيع الطائرات، بل يتطلب تطوير شبكة واسعة من البنية التحتية والأنظمة والخدمات الداعمة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع توجه المملكة إلى تطوير قطاعات اقتصادية جديدة وتعزيز دور التقنيات المتقدمة في قطاعات النقل والخدمات والمدن الذكية.

آلاف المركبات الجوية في الأجواء

تتوقع وينتر أن يتطلب انتشار التنقل الجوي المتقدم إعادة التفكير في طريقة استخدام المجال الجوي منخفض الارتفاع.

وأوضحت أن التوسع في هذا القطاع قد يؤدي إلى وجود آلاف الطائرات والمركبات الجوية سنويًا في الأجواء، تشمل سيارات أجرة جوية ومركبات للاستجابة للطوارئ وطائرات مخصصة لنقل البضائع.

وهذا يعني أن نجاح القطاع لن يعتمد فقط على أداء الطائرة نفسها، وإنما على منظومة متكاملة تشمل إدارة المجال الجوي، والبنية التحتية، والاتصالات، وأنظمة التحكم، والسلامة، واللوائح التنظيمية، وإدارة البيانات.

السيادة الرقمية جزء من مستقبل التنقل الجوي

وخلال كلمة خاصة في افتتاح المؤتمر، تناولت وينتر أهمية بناء شراكات دولية مع الحفاظ في الوقت نفسه على السيادة الوطنية على البنية التحتية والأنظمة الحيوية.

وأكدت أن السيادة لا تعني العزلة، مشيرة إلى إمكانية تعاون المملكة مع شركات أوروبية وأمريكية وآسيوية، بما في ذلك كبرى شركات التكنولوجيا العالمية.

لكنها شددت على ضرورة بقاء الهندسة التشغيلية والحوكمة والسلطة التشغيلية والبيانات الحساسة تحت السيطرة السعودية.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في قطاع يعتمد بدرجة متزايدة على البيانات والأنظمة الرقمية، إذ إن إدارة آلاف المركبات الجوية ذاتية التشغيل ستتطلب منصات رقمية قادرة على تنظيم الحركة الجوية ومعالجة البيانات واتخاذ القرارات التشغيلية في الوقت الفعلي.

وترى وينتر أن الحفاظ على السيطرة الوطنية على هذه العناصر يسمح بإدخال الابتكار والتقنيات العالمية دون خلق تبعية استراتيجية في الأنظمة الحيوية.

الأمن والنمو.. علاقة متبادلة

وشارك في الجلسة الحوارية «الأمن والاستثمار: دولة آمنة وصناعة من الفرص» مستشار الديوان الملكي الدكتور ماجد المنيف، الذي أكد أن الأمن والنمو الاقتصادي يرتبطان بصورة وثيقة.

وأشار إلى أن الأمن يمثل عنصرًا أساسيًا للنمو، في حين يساهم النمو بدوره في دعم التنمية وتعزيز قدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة لبناء البنية التحتية.

وتناول النقاش العلاقة بين الاستقرار الوطني والتطور الصناعي، وكيف يمكن للبيئة الآمنة أن تمنح المستثمرين الثقة اللازمة لتمويل التقنيات والصناعات الناشئة على المدى الطويل.

التنقل الجوي المتقدم يتجاوز فكرة «التاكسي الطائر»

يمثل توجه FlyNow Arabia جزءًا من قطاع أوسع يعرف باسم Advanced Air Mobility، وهو قطاع لا يقتصر على فكرة سيارات الأجرة الطائرة التي تحظى باهتمام إعلامي واسع، بل يشمل منظومة متكاملة من المركبات الجوية الكهربائية والآلية التي يمكن استخدامها في النقل والخدمات اللوجستية والاستجابة للطوارئ والإجلاء الطبي.

وفي حال توسع هذه التقنيات تجاريًا، يمكن أن تغير طبيعة التنقل في المدن والمناطق التي يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية، كما يمكن أن تفتح مجالات جديدة أمام الخدمات الطبية واللوجستية والطوارئ.

لكن تحقيق ذلك على نطاق واسع يتطلب معالجة تحديات متعددة، من بينها السلامة، وإدارة الحركة الجوية، والبنية التحتية للشحن والصيانة، والتشريعات، والقبول المجتمعي، إلى جانب حماية الأنظمة الرقمية والبيانات.

الرياض تتحول إلى منصة لصناعة مستقبل النقل

وتعكس خطط FlyNow Arabia لنقل مقرها العالمي وتصنيع طائراتها في المملكة توجهًا أوسع نحو جعل الرياض مركزًا لتطوير التقنيات المتقدمة وليس مجرد سوق لتطبيقها.

فنجاح قطاع التنقل الجوي المتقدم يتطلب وجود شركات تقنية، ومصنعين، ومطورين للبنية التحتية، وجهات تنظيمية، ومستثمرين، ومراكز بحث وتطوير، إضافة إلى كوادر بشرية قادرة على تشغيل هذه المنظومة.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يمثل دخول شركات متخصصة إلى السوق السعودية فرصة لتطوير سلسلة قيمة محلية في مجال الطيران الكهربائي، تبدأ من البحث والتطوير والتصنيع، وتمتد إلى التشغيل والصيانة وإدارة البيانات والخدمات الرقمية.

من المملكة إلى الأسواق العالمية

ترى FlyNow Arabia أن المملكة يمكن أن تؤدي دورًا يتجاوز كونها سوقًا محلية لمنتجات التنقل الجوي، لتصبح قاعدة لتطوير الحلول وتصديرها إلى أسواق أخرى.

ومع خطط الشركة للإنتاج داخل المملكة، فإن الرهان لا يتعلق فقط بإطلاق مركبات كهربائية جديدة، وإنما ببناء صناعة متكاملة حول مفهوم التنقل الجوي الآلي.

ويشير هذا التوجه إلى أن المنافسة المستقبلية في قطاع النقل قد لا تكون بين السيارات والطائرات التقليدية فقط، وإنما بين منظومات نقل متكاملة تجمع بين الكهرباء والذكاء الاصطناعي والأتمتة والبيانات والبنية التحتية الذكية.

وفي الوقت الذي تتسابق فيه دول وشركات حول العالم لتطوير الجيل القادم من النقل الجوي، تراهن المملكة على عناصر الأمن والاستقرار والاستثمار والبنية التحتية والقدرة على بناء منظومات تقنية متكاملة، لتكون الرياض إحدى المنصات المحتملة لصناعة مستقبل التنقل الجوي.