تستعد الهواتف الذكية لمرحلة جديدة من التطور مع إعلان شركة Arm عن منصة CSS for Mobile 2، التي تستهدف رفع قدرات الأجهزة المحمولة في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والألعاب، بالتزامن مع انتقال الذكاء الاصطناعي على الهواتف من تنفيذ مهام منفردة إلى التعامل مع وكلاء قادرين على التخطيط والاستدلال وتنفيذ سلسلة من المهام نيابة عن المستخدم.
وتجمع المنصة الجديدة بين معالجات مركزية متطورة ووحدة رسوميات جديدة تتضمن قدرات مخصصة للذكاء الاصطناعي، في توجه يعكس تغير طبيعة الاستخدام المتوقع للهواتف خلال السنوات المقبلة، مع تزايد الاعتماد على معالجة الذكاء الاصطناعي مباشرة على الجهاز بدلًا من إرسال جميع المهام إلى السحابة.
Mali G2-Ultra NX.. رسوميات مصممة لعصر الذكاء الاصطناعي
تأتي وحدة معالجة الرسوميات Mali G2-Ultra NX في مقدمة مكونات المنصة الجديدة، وتصفها Arm بأنها أكثر وحدات معالجة الرسوميات تطورًا للهواتف المحمولة قدمتها الشركة حتى الآن.
وتبرز أهمية الوحدة في كونها أول معالج رسوميات من عائلة Mali يضم مسرّعات عصبية مخصصة إلى جانب مسار معالجة الرسوميات التقليدي.
وبدلًا من التعامل مع الرسوميات ومهام الذكاء الاصطناعي باعتبارهما مسارين منفصلين، تجمع الوحدة الجديدة بين القدرتين ضمن منظومة واحدة، وهو ما تقول Arm إنه يمكن أن يحقق تحسنًا يصل إلى 4 أضعاف في الأداء لكل واط عند تشغيل مهام الرسوميات المعتمدة على الشبكات العصبية.
وهذا التطور يستهدف بصورة مباشرة الألعاب والتطبيقات التي تعتمد على تقنيات مثل تحسين الصور، والمؤثرات الرسومية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومعالجة المشاهد في الوقت الفعلي.
أداء ألعاب أعلى دون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي
ولا تقتصر مكاسب Mali G2-Ultra NX على أحمال الذكاء الاصطناعي.
فوفق الأرقام التي أعلنتها Arm، توفر الوحدة الجديدة زيادة في الأداء تصل إلى 14% في الألعاب الحالية مقارنة بالجيل السابق، ما يعني أن المستخدم يمكن أن يستفيد من تحسينات الرسوميات حتى في السيناريوهات التي لا تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الهواتف الذكية منصات ألعاب متقدمة بشكل متزايد، مع ارتفاع دقة الشاشات ومعدلات التحديث وتطور محركات الألعاب المحمولة.
كما بدأت شركات في قطاع الألعاب اختبار تقنيات الرسوميات العصبية الجديدة من Arm، ومن بينها Tencent وUnity China وNetEase وInfold Games، تمهيدًا لدمج هذه القدرات في تجارب الألعاب المستقبلية.
معالجات C2 تستهدف وكلاء الذكاء الاصطناعي
لكن تطوير تجربة الذكاء الاصطناعي على الهاتف لا يعتمد على وحدة الرسوميات وحدها.
فالوكلاء الذكيون يحتاجون إلى قدرات معالجة مركزية للتعامل مع سياق المحادثات، وجدولة المهام، والتنسيق بين التطبيقات والنماذج المختلفة، وهي عمليات تتطلب أداءً مستمرًا وكفاءة عالية في استهلاك الطاقة.
ولهذا تقدم Arm مجموعة معالجات C2 CPU الجديدة، التي تضم أقوى أنوية الشركة حتى الآن، بما في ذلك C2-Ultra، إلى جانب أنوية C2-Pro المصممة لتحقيق توازن أكبر بين الأداء وكفاءة الطاقة.
كما ضاعفت الشركة وحدات SME2 المخصصة لمعالجة أعباء الذكاء الاصطناعي محليًا على الجهاز.
ويعكس ذلك توجهًا واضحًا نحو جعل الهاتف قادرًا على تنفيذ المزيد من عمليات الذكاء الاصطناعي مباشرة، وهو أمر مهم مع انتشار التطبيقات التي تحتاج إلى استجابة سريعة ومعالجة متواصلة للبيانات.
1.7 مرة أداء أعلى في مهام الذكاء الاصطناعي
وتشير الأرقام التي كشفت عنها Arm إلى تحقيق المنصة الجديدة مكاسب كبيرة مقارنة بالجيل السابق C1-Ultra.
وتقول الشركة إن أداء مهام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصل إلى 1.7 مرة، مع تحسن أداء النواة الواحدة بنسبة 15%، في حين يمكن تحقيق مستوى الأداء نفسه باستهلاك طاقة أقل بنسبة تصل إلى 38%.
وتكتسب كفاءة الطاقة أهمية خاصة في الهواتف الذكية، حيث تمثل البطارية أحد أهم القيود أمام تشغيل عمليات الذكاء الاصطناعي بصورة مستمرة.
فكلما أصبحت النماذج والوكلاء أكثر قدرة على العمل محليًا، أصبحت الحاجة أكبر إلى معالجات تستطيع تنفيذ هذه العمليات دون التأثير بشكل كبير على عمر البطارية أو حرارة الجهاز.
من المساعد الذكي إلى وكيل ينفذ المهام
وتأتي هذه التحسينات في مرحلة يتغير فيها مفهوم الذكاء الاصطناعي على الهواتف.
فبدلًا من أن يطلب المستخدم من المساعد تنفيذ مهمة واحدة في كل مرة، تتجه الصناعة نحو وكلاء ذكاء اصطناعي يستطيعون فهم الهدف، ووضع خطوات لتنفيذه، والتعامل مع تطبيقات وخدمات متعددة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
هذا السيناريو يفرض متطلبات مختلفة على الهاتف، لأن الوكيل يحتاج إلى الاحتفاظ بالسياق، وتحليل المعلومات، واتخاذ خطوات متتابعة، والتفاعل مع التطبيقات في الوقت الفعلي.
ومن هنا تصبح قوة المعالج المركزي وكفاءة معالجة الذكاء الاصطناعي على الجهاز عاملين أساسيين في تحديد مدى قدرة الهواتف المستقبلية على تشغيل هذه التجارب.
Arm تراهن أيضًا على المطورين
ولا تركز Arm على العتاد وحده، إذ تطلق الشركة أيضًا أدوات برمجية لمساعدة المطورين على الاستفادة من قدرات المنصة الجديدة.
ومن أبرز هذه الأدوات AI Portal، التي تستهدف تسهيل تطوير التطبيقات والاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي المتاحة على الأجهزة المدعومة.
وتعكس هذه الخطوة إدراكًا بأن زيادة قوة المعالجات وحدها لا تضمن ظهور تطبيقات جديدة، إذ يحتاج المطورون إلى الأدوات والبيئات البرمجية التي تسمح لهم بتحويل الإمكانات التقنية إلى وظائف وتجارب فعلية للمستخدم.
الهاتف يتحول إلى منصة حوسبة أكثر استقلالًا
وتشير منصة CSS for Mobile 2 إلى اتجاه أوسع في صناعة الهواتف: نقل المزيد من عمليات الحوسبة والذكاء الاصطناعي إلى الجهاز نفسه.
ويمنح هذا النهج الأجهزة قدرة أكبر على الاستجابة السريعة، كما يمكن أن يقلل الاعتماد على الاتصال المستمر بالخدمات السحابية في بعض السيناريوهات، خصوصًا عندما تكون المهمة مناسبة للتنفيذ محليًا.
وفي الوقت نفسه، فإن الجمع بين المعالجة المركزية والرسوميات والتسريع العصبي ضمن منصة واحدة يعكس محاولة لبناء أجهزة قادرة على التعامل مع مجموعة متزايدة من المهام في وقت واحد، من الألعاب عالية الجودة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التفاعلية.
ما الذي تعنيه المنصة للمستخدم؟
بالنسبة للمستخدم النهائي، قد لا تظهر أهمية CSS for Mobile 2 في صورة مواصفات جديدة فقط، وإنما في نوعية التجارب التي يمكن أن توفرها الهواتف التي ستعتمد على هذه التقنيات.
فقد تعني المعالجة الأقوى استجابة أسرع للمساعدات الذكية، وقدرات أكبر لمعالجة الصور والفيديو، ورسوميات أكثر تطورًا في الألعاب، إلى جانب إمكانية تشغيل وكلاء ذكاء اصطناعي أكثر تعقيدًا على الهاتف.
لكن الاستفادة الفعلية ستعتمد في النهاية على الشركات المصنعة للهواتف، وعلى كيفية دمج هذه المكونات في الشرائح والأجهزة، وكذلك على التطبيقات التي سيطورها مجتمع المطورين للاستفادة من قدراتها.
خطوة نحو الجيل التالي من الهواتف
لا تبدو منصة CSS for Mobile 2 مجرد تحديث تقليدي لمعالجات الهواتف، بل تعكس محاولة من Arm لإعادة تصميم البنية الأساسية للأجهزة المحمولة بما يتناسب مع عصر وكلاء الذكاء الاصطناعي.
ومع الجمع بين معالجات C2 ووحدة Mali G2-Ultra NX وأدوات المطورين الجديدة، تراهن الشركة على أن الهاتف القادم لن يكون مجرد جهاز لتشغيل التطبيقات، بل منصة حوسبة قادرة على فهم المهام ومعالجتها محليًا وتقديم تجارب رسومية وذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا.
ومع انتقال الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من ميزة إضافية إلى جزء أساسي من تجربة الهاتف، قد تصبح كفاءة المعالجة المحلية وعمر البطارية وقدرات الرسوميات العصبية من أهم عوامل المنافسة بين الهواتف الذكية في المرحلة المقبلة.

