تستعد المملكة لجعل المياه أحد أبرز ملفاتها الوطنية خلال العام المقبل، بعد موافقة مجلس الوزراء على تسمية عام 2027 بـ«عام الماء»، بالتزامن مع توسع كبير في منظومة الإمدادات واستعداد الرياض لاستضافة المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه.
ويأتي القرار في وقت تجاوزت فيه إمدادات المياه بالمملكة 16 مليون متر مكعب يوميًا، مقارنة بنحو 9 ملايين متر مكعب يوميًا في عام 2016، في مؤشر على حجم التحول الذي شهده القطاع خلال أقل من عقد.
من 9 إلى أكثر من 16 مليون متر مكعب يوميًا
شهد قطاع المياه خلال السنوات الماضية توسعًا في قدرات إنتاج المياه المحلاة وشبكات النقل والتوزيع والتخزين الاستراتيجي.
وبحسب أحدث البيانات الواردة عن وزارة البيئة والمياه والزراعة، تجاوزت الإمدادات 16 مليون متر مكعب يوميًا في عام 2025، بينما وصلت خدمات مياه الشرب الآمنة إلى جميع السكان، وبلغت تغطية شبكات المياه نحو 85%.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت السعة التخزينية الاستراتيجية بأكثر من 125% مقارنة بعام 2016، ما يعزز قدرة المنظومة على التعامل مع ارتفاع الطلب والظروف الطارئة.
لماذا اختير عام 2027؟
يتزامن «عام الماء» مع استضافة الرياض المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه في مارس 2027، والذي سيجمع مسؤولين وخبراء ومنظمات وشركات من مختلف أنحاء العالم لمناقشة مستقبل إدارة الموارد المائية.
ومن المنتظر أن تتناول أعمال المنتدى ملفات تتعلق بندرة المياه، والابتكار، وتمويل المشروعات، والتكيف مع التغير المناخي، ورفع كفاءة إدارة الموارد.
ويمنح تخصيص عام كامل للمياه مساحة أوسع لإطلاق المبادرات والبرامج التوعوية المرتبطة بترشيد الاستهلاك وحماية الموارد وتعزيز مفهوم الاستدامة.
توسع مستمر في التحلية والنقل
اعتمد نمو الإمدادات على التوسع في إنتاج المياه المحلاة وتطوير شبكات قادرة على نقلها لمسافات طويلة إلى المدن والمحافظات، بما في ذلك المناطق الواقعة بعيدًا عن السواحل.
وتشكل منظومات رأس الخير والجبيل والشعيبة والشقيق جزءًا مهمًا من البنية الإنتاجية للمياه المحلاة، إلى جانب خطوط النقل والخزانات الاستراتيجية ومشروعات التوزيع.
كما يجري تطوير مشروعات جديدة لرفع موثوقية الإمدادات، ومن بينها أنظمة نقل مستقلة مثل الجبيل–بريدة والرايس–رابغ.
انخفاض كبير في الاعتماد على المياه الجوفية
ولا يقتصر التحول على زيادة كمية المياه المتاحة، إذ شهدت المملكة انخفاضًا ملحوظًا في استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة.
وتراجع الاستهلاك من نحو 21 مليار متر مكعب سنويًا في 2016 إلى قرابة 11 مليار متر مكعب في 2025.
ويكتسب هذا الانخفاض أهمية خاصة بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والمناخية للمملكة ومحدودية موارد المياه الطبيعية المتجددة، إلى جانب النمو السكاني والعمراني والاقتصادي الذي يرفع الطلب على المياه.
ويتجه القطاع في المقابل إلى زيادة الاعتماد على التحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة ورفع كفاءة الاستهلاك، خصوصًا في الأنشطة التي تستهلك كميات كبيرة من الموارد المائية.
الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة إدارة المياه
التكنولوجيا أصبحت بدورها جزءًا من خطط تطوير القطاع، إذ تتجه المملكة إلى توسيع استخدام الرقمنة والذكاء الاصطناعي في مراقبة الشبكات وإدارة الطلب واكتشاف التسربات.
وتستهدف هذه التقنيات تقليل الفاقد ورفع الكفاءة التشغيلية وتسريع اكتشاف المشكلات قبل تحولها إلى أعطال واسعة.
وفي الوقت ذاته، تتواصل الجهود لتطوير تقنيات تحلية أقل استهلاكًا للطاقة، وزيادة إعادة استخدام المياه المعالجة في القطاعات الزراعية والصناعية والحضرية، إلى جانب توطين تقنيات وصناعات مرتبطة بالمياه.
المياه تتحول إلى ملف استراتيجي
مع توسع المدن والمشروعات الاقتصادية والسياحية والصناعية، أصبحت استدامة إمدادات المياه مرتبطة بصورة مباشرة باستمرارية التنمية وجودة الحياة.
ولهذا لم تعد إدارة المياه تُعامل باعتبارها خدمة أساسية فقط، وإنما كملف استراتيجي يرتبط بالأمن المائي واستدامة الموارد وقدرة المدن على مواكبة النمو المستقبلي.
ويضع «عام الماء» هذا الملف في دائرة اهتمام أوسع، ليس فقط لإبراز ما تحقق في البنية التحتية، ولكن أيضًا لتعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول للمياه.
الرياض تستعد لاستضافة العالم
يحمل عام 2027 كذلك بعدًا دوليًا، مع تحول الرياض إلى مركز للنقاش العالمي حول مستقبل المياه خلال المنتدى العالمي الحادي عشر للمياه.
ويتزامن ذلك مع مبادرات تقودها المملكة في مجال التعاون والبحث والابتكار المائي، من بينها المنظمة العالمية للمياه والجهود البحثية والتقنية التي تستهدف تطوير حلول لمواجهة تحديات الندرة والاستدامة.
وبين زيادة قدرات الإمداد، وخفض استنزاف المياه الجوفية، والاستثمار في التحلية وإعادة الاستخدام والتقنيات الحديثة، يأتي اختيار 2027 «عام الماء» ليضع أحد أهم الموارد الطبيعية في قلب النقاش حول مستقبل التنمية في المملكة.

