بدأت وزارة الثقافة أعمالها رسمياً من مقرها الجديد في الدرعية، بعد اكتمال انتقالها إلى المبنى الذي طورته شركة الدرعية ضمن الحي الشمالي في مشروع الدرعية، في خطوة تعكس الحضور المتنامي للقطاع الثقافي داخل أحد أبرز المشاريع الحضرية والتراثية في المملكة.
ويمثل المقر الجديد امتداداً للتعاون بين وزارة الثقافة والجهات المسؤولة عن تطوير الدرعية، كما يجسد توجه المملكة نحو بناء بيئات عمل حديثة تجمع بين الهوية الوطنية والتصميم المعاصر والاستدامة، مع الحفاظ على الطابع التاريخي الذي تتميز به الدرعية بوصفها إحدى أهم الوجهات الثقافية والتراثية في السعودية.
ويأتي انتقال الوزارة إلى مقرها الجديد بعد سنوات من التعاون المؤسسي، بدأت بمذكرة تفاهم وُقعت في منتصف عام 2022 بين وزارة الثقافة وهيئة تطوير بوابة الدرعية، بهدف تعزيز التنسيق والتعاون في تطوير وتنفيذ المشاريع والمبادرات والفعاليات الثقافية ضمن المخطط العام لمشروع الدرعية.
مقر وزارة الثقافة في الدرعية.. مساحة واسعة وهوية مستوحاة من العمارة النجدية
يقع المقر الجديد لوزارة الثقافة على مساحة تبلغ 33,168 متراً مربعاً، ضمن النسيج الحضري المتكامل لمشروع الدرعية، ويعد أكبر مبنى مكتبي مستقل في الدرعية.
وصُمم المبنى ليكون بيئة عمل متكاملة تلبي الاحتياجات التشغيلية لفرق وزارة الثقافة، مع توفير مساحات مكتبية مخصصة ومرافق حديثة وبنية تحتية رقمية متقدمة تساعد على رفع كفاءة بيئة العمل ودعم الأعمال اليومية للوزارة.
ولم يقتصر تصميم المبنى على الجانب الوظيفي، إذ حرص القائمون على المشروع على ربط المبنى بالهوية المحلية للدرعية والمملكة، من خلال استلهام عناصر التصميم من العمارة النجدية التقليدية.
ويعكس هذا التوجه رغبة في تحقيق توازن بين الحداثة والحفاظ على الموروث المعماري والثقافي، خصوصاً أن المقر يقع في منطقة ترتبط بصورة مباشرة بتاريخ الدولة السعودية وتراثها العمراني.
شراكة ممتدة بين وزارة الثقافة والدرعية
أوضح الرئيس التنفيذي لمجموعة شركة الدرعية، جيري إنزيريلو، أن تطوير المقر الرئيسي لوزارة الثقافة يأتي ضمن العمل المتسارع على تطوير الدرعية لتصبح مدينة حضرية متكاملة للعيش والعمل والزيارة.
وأشار إلى أن انتقال الوزارة إلى مقرها الجديد يمثل محطة مهمة في تطوير بيئات العمل والمساحات المكتبية داخل الدرعية وفق معايير عالمية، بما ينسجم مع التحولات التي تشهدها المنطقة ضمن المشروع الحضري الكبير.
ومن جانبها، أكدت وزارة الثقافة أن وجودها في الدرعية يعزز العلاقة بين الثقافة السعودية ومواقعها التاريخية، ويدعم جهود التكامل مع المواقع ذات القيمة الحضارية والثقافية.
ويرتبط موقع الدرعية بأهمية خاصة في المشهد الثقافي السعودي، إذ تحتضن حي الطريف التاريخي المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، ما يمنح انتقال وزارة الثقافة إلى المنطقة دلالة تتجاوز الجانب الإداري للمقر الجديد.
معايير عالمية للاستدامة
يتميز مقر وزارة الثقافة الجديد كذلك بحصوله على عدد من الاعتمادات الخاصة بالمباني المستدامة، بما يعكس اهتمام المشروع بالمعايير البيئية وكفاءة استخدام الموارد.
وحصل المبنى على الشهادة الذهبية وفق الإصدار الرابع من نظام LEED العالمي لتصنيف المباني الخضراء، وذلك ضمن فئة تصميم وتشييد المباني وتطوير الهيكل والواجهات.
كما حصل المقر على شهادة «مستدام» التجارية الذهبية ضمن نظام التقييم الوطني للمباني الخضراء في المملكة.
وتعكس هذه الاعتمادات اعتماد مجموعة من الممارسات المتعلقة بكفاءة الطاقة وترشيد استهلاك المياه وإدارة النفايات، إلى جانب الاهتمام بالصحة والرفاه داخل بيئة العمل.
ويأتي ذلك ضمن توجه أوسع يتوافق مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تركز على رفع جودة الحياة وتطوير المدن بطريقة أكثر استدامة، إلى جانب تعزيز كفاءة استخدام الموارد وتبني الممارسات الحديثة في تطوير البنية التحتية.
الدرعية تتحول إلى مركز للثقافة والفنون
لا ينفصل تطوير مقر وزارة الثقافة عن التحول الأكبر الذي تشهده الدرعية، التي يجري تطويرها لتصبح وجهة عالمية تجمع بين الثقافة والتراث والتعليم والفنون والترفيه والضيافة.
وتعمل شركة الدرعية على تنفيذ مشروع حضري متكامل تقدر قيمته بنحو 236 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل نحو 63 مليار دولار أميركي، ضمن خطة تستهدف إعادة تقديم الدرعية كوجهة عالمية تستند إلى تاريخها وتراثها مع توفير بنية حضرية حديثة.
وشهد المشروع خلال السنوات الماضية افتتاح عدد من الوجهات الرئيسية، من بينها فندق باب سمحان، أحد فنادق مجموعة لاكشري كوليكشن، إلى جانب وجهة الزلال التي تجمع المطاعم والتجزئة والمساحات المكتبية ضمن بيئة مستوحاة من الطابع الأصيل للمنطقة.
وبحسب البيانات الواردة، استقطب المشروع أكثر من خمسة ملايين زيارة، فيما تستهدف خطط التطوير استقبال أكثر من 50 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2030.
طموحات اقتصادية وحضرية كبيرة
ولا تقتصر أهداف مشروع الدرعية على تطوير الوجهات السياحية والثقافية، إذ يتضمن المشروع مستهدفات اقتصادية وحضرية واسعة، من بينها توفير نحو 180 ألف وظيفة واستيعاب ما يقارب 100 ألف نسمة.
وتعكس هذه المستهدفات حجم التحول الذي تشهده الدرعية ودورها المتوقع في دعم الاقتصاد المحلي وتنشيط السياحة الثقافية وتوفير فرص العمل، إلى جانب تعزيز مكانة الرياض والمنطقة المحيطة بها كوجهة عالمية للزوار والمستثمرين.
ويأتي وجود وزارة الثقافة في قلب هذا التحول ليعزز الجانب المؤسسي والثقافي للمشروع، خاصة أن الوزارة تضطلع بدور رئيسي في تطوير القطاع الثقافي السعودي ودعم الفنون والتراث والصناعات الإبداعية والمبادرات المرتبطة بالهوية الوطنية.
مقر يعكس تحول القطاع الثقافي السعودي
ويحمل انتقال وزارة الثقافة إلى مقرها الجديد دلالة مهمة على التطور الذي يشهده القطاع الثقافي في المملكة، إذ لم تعد المؤسسات الثقافية تعمل بمعزل عن التحولات العمرانية والاقتصادية والسياحية التي تشهدها المدن السعودية.
ويجمع المقر الجديد بين موقع يرتبط بتاريخ الدولة السعودية، وتصميم مستوحى من العمارة النجدية، وتقنيات وبنية تحتية حديثة، إضافة إلى معايير عالمية في الاستدامة.
كما يعزز وجود الوزارة في الدرعية فرص التكامل بين العمل المؤسسي والمواقع الثقافية والتراثية المحيطة بها، بما يمكن أن يدعم تنفيذ المزيد من البرامج والمبادرات والفعاليات التي تستفيد من القيمة التاريخية للمكان.
ومع استمرار أعمال تطوير الدرعية، من المتوقع أن يصبح المقر الجديد جزءاً من منظومة حضرية وثقافية أكبر، تسعى إلى تقديم نموذج يجمع بين المحافظة على التراث والتوسع الحضري الحديث.
وبذلك، لا يمثل انتقال وزارة الثقافة إلى مقرها الجديد مجرد تغيير في موقع العمل، بل يعكس توجهاً أوسع نحو وضع الثقافة في قلب عملية التنمية الحضرية والاقتصادية، وتعزيز حضور الهوية السعودية في المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

