لم تعد فرنسا بالنسبة لكثير من المسافرين السعوديين مجرد وجهة سياحية لزيارة برج إيفل أو قصر فرساي، بل أصبحت تجربة متكاملة تجمع بين الثقافة والتاريخ والفن والمطبخ والحياة اليومية، وتترك لدى زوارها أسباباً تدفعهم إلى العودة مرة أخرى.
وتزامن هذا الاهتمام المتواصل مع تطور حركة السفر المباشر بين المملكة وفرنسا، مع تسيير الخطوط السعودية رحلات مباشرة تربط باريس بكل من الرياض وجدة، إلى جانب إطلاق الخطوط الجوية الفرنسية رحلات مباشرة بين باريس والرياض خلال صيف 2025، ما عزز خيارات السفر بين البلدين.
وتأتي جاذبية فرنسا للسائح السعودي في وقت واصلت فيه البلاد تعزيز مكانتها كوجهة سياحية عالمية، بعدما استقبلت 102 مليون زائر دولي خلال عام 2025، وفقاً لما أوردته “عرب نيوز”.
باريس.. تجربة تتجاوز المعالم السياحية
بالنسبة إلى عدد من السعوديين، تكمن جاذبية باريس في قدرتها على تقديم تجارب مختلفة في كل زيارة. فإلى جانب المعالم الشهيرة، تمنح المدينة زوارها فرصة للتعرف على تاريخها الفكري والفني والأدبي، واستكشاف متاحفها ومكتباتها ومقاهيها وأحيائها التاريخية.
ومن بين هؤلاء مروان الرشيد، المترجم والمستشار الثقافي، الذي زار فرنسا في خريف 2025 بدافع الرغبة في التعرف عن قرب على الثقافة الفرنسية بمختلف جوانبها.
واختار الرشيد الإقامة في الحي اللاتيني بالقرب من جامعة السوربون لمدة 10 أيام، وهي منطقة ترتبط بتاريخ باريس الثقافي والفكري، وتضم العديد من الأماكن التي لعبت أدواراً مهمة في الحياة الأدبية والفلسفية للمدينة.
وخلال رحلته، زار مقهى “Les Deux Magots”، المعروف بارتباطه بعدد من الكتاب والفنانين والفلاسفة، كما تجول في متحف اللوفر وشاهد أعمالاً شهيرة من بينها لوحة الموناليزا وتمثال النصر المجنح لساموثراس.
كما كانت مكتبة “Shakespeare and Company” على الضفة اليسرى لنهر السين إحدى محطات رحلته، في تجربة جمعت بين الأدب والتاريخ والحياة الثقافية التي تتميز بها باريس.
الطعام جزء من تجربة السفر
لا ينفصل الطعام عن تجربة السفر بالنسبة لكثير من الزوار السعوديين، وهو ما يظهر بوضوح في تجارب من اختاروا اكتشاف باريس من خلال مطبخها ومخابزها التقليدية.
وخلال رحلته، شارك الرشيد في جولة استكشفت المخابز التاريخية في باريس، ليجمع بين اهتمامه بالتاريخ وتجربة المطبخ الفرنسي.
وبالنسبة له، لم تكن المأكولات مجرد جانب ترفيهي من الرحلة، وإنما وسيلة أخرى لفهم المدينة وثقافتها. فالمطاعم والمقاهي والمخابز التقليدية أصبحت جزءاً من الذاكرة التي يحملها الزائر معه بعد مغادرة باريس.
فرنسا.. وجهة رومانسية للسياحة السعودية
أما دانية حلواني من جدة، فارتبطت تجربتها الأولى في فرنسا بذكرى شخصية مختلفة، إذ زارت البلاد خلال شهر العسل، وقضت أسبوعاً تنقلت خلاله بين باريس وفرساي ومرسيليا.
وتقول تجربتها إن جاذبية فرنسا لا تتوقف عند ثرائها الثقافي والتاريخي، بل تمتد إلى الأجواء الرومانسية التي توفرها مدنها ومعالمها.
وكان قصر فرساي من أبرز محطات الرحلة، حيث تركت جولتها داخل القصر انطباعاً قوياً لديها، خصوصاً مع ارتباط المكان بتاريخ فرنسا الملكي وما يحمله من تفاصيل معمارية وفنية.
كما شكلت الرحلة فرصة للتعرف بشكل أكبر على اللغة الفرنسية، بعدما اكتشفت أن استخدام الإنجليزية لا يكون كافياً دائماً في جميع المواقف، ما دفعها إلى تعلم بعض الكلمات والتعبيرات الفرنسية خلال إقامتها.
من السياحة إلى الدراسة وبناء المسار المهني
بالنسبة لبعض السعوديين، لم تتوقف العلاقة مع فرنسا عند الزيارات السياحية، بل تحولت إلى تجربة تعليمية ومهنية تركت أثراً طويل الأمد.
ومن أبرز الأمثلة الشيف السعودية المتخصصة في صناعة الحلويات الباتول المداح، التي تكررت زياراتها إلى باريس خلال الإجازات، وكانت تستغل كل رحلة لاكتشاف أنواع جديدة من الحلويات والتعرف على أحدث الاتجاهات في عالم صناعة المعجنات والحلويات.
ومع مرور الوقت، تطور هذا الاهتمام إلى قرار بالدراسة في باريس، مستفيدة من البيئة التي توفرها المدينة للمهتمين بفنون الطهي، ولا سيما صناعة الحلويات.
وتوضح تجربتها كيف يمكن للسفر المتكرر أن يتحول من مجرد نشاط ترفيهي إلى مصدر للإلهام واكتشاف الاهتمامات المهنية، ثم إلى خطوة عملية في بناء المسار الوظيفي.
خمس سنوات في باريس غيّرت النظرة إلى السعودية
وتقدم هدى النفيعي تجربة أكثر عمقاً، بعدما عاشت في باريس لمدة خمس سنوات أثناء دراستها في جامعة باريس ديكارت.
وخلال فترة إقامتها، لم تقتصر تجربتها على الدراسة، بل امتدت إلى التفاعل مع المجتمع الفرنسي والتعرف على ثقافته، وفي المقابل تقديم صورة أكثر قرباً عن السعودية للأشخاص الذين التقت بهم.
وتقول النفيعي إنها وجدت نفسها في كثير من الأحيان تشرح جوانب من المجتمع والثقافة السعودية لأشخاص كانت معرفتهم بالمملكة محدودة، أو متأثرة بما يشاهدونه في وسائل الإعلام.
وبذلك تحولت إقامتها في فرنسا إلى تجربة للتبادل الثقافي، لم تكن فيها مجرد طالبة سعودية تعيش في الخارج، بل أصبحت أيضاً صوتاً يعكس جانباً من المجتمع السعودي أمام محيطها الفرنسي.
وعندما عادت إلى الرياض، كانت فرنسا قد أصبحت جزءاً من حياتها العائلية أيضاً، إذ يتحدث طفلاها الصغيران اللغة الفرنسية بطلاقة.
لماذا يعود السعوديون إلى فرنسا؟
تكشف هذه التجارب المتنوعة أن العلاقة بين المسافر السعودي وفرنسا لا تقوم بالضرورة على زيارة المعالم الشهيرة فقط.
فباريس يمكن أن تكون رحلة ثقافية لمن يبحث عن المتاحف والفن والتاريخ، وتجربة أدبية لمن يهتم بالمكتبات والمقاهي التي ارتبطت بأسماء فكرية وأدبية بارزة، كما يمكن أن تكون وجهة لمحبي الطعام أو محطة للتعلم والدراسة وتطوير المسار المهني.
وتوفر فرنسا كذلك مساحة للتجارب الشخصية المختلفة؛ من رحلات شهر العسل والاستكشاف السياحي، إلى الدراسة والإقامة لسنوات، وصولاً إلى اكتشاف مجالات مهنية جديدة.
وهذا التنوع ربما يفسر جانباً من استمرار جاذبية فرنسا للمسافرين السعوديين. فكل زيارة يمكن أن تحمل تجربة مختلفة، وكل مدينة أو حي أو مطعم أو متحف يمكن أن يفتح باباً جديداً للتعرف على البلد.
وفي الوقت الذي تسهم فيه الرحلات الجوية المباشرة بين السعودية وفرنسا في تسهيل حركة المسافرين، تبدو العلاقة السياحية بين البلدين مرشحة لمزيد من النمو، مدفوعة باهتمام متبادل بالثقافة والسياحة والتعليم والمجالات الإبداعية.
وفي النهاية، ربما لا تكون الإجابة عن سؤال: “لماذا يعود السعوديون إلى فرنسا؟” مرتبطة بمعلم واحد أو مدينة واحدة، وإنما بتجربة تتجاوز الصورة التقليدية للسياحة. فبين المقاهي الفلسفية والمكتبات التاريخية والمخابز الفرنسية والمتاحف والقصور، يجد الزائر شيئاً يمكن أن يبقى معه حتى بعد عودته إلى الرياض.
ولهذا، بالنسبة إلى كثير من السعوديين، لا تبدو الرحلة من الرياض إلى باريس رحلة ذهاب فقط، بل بداية لعلاقة قد تدفعهم دائماً إلى التخطيط لزيارة جديدة.

