عندما تُذكر أسماء مثل سامسونغ، ونينتندو، ونوكيا، وشارب، يتبادر إلى الذهن مباشرة عالم الهواتف الذكية، وألعاب الفيديو، والأجهزة الإلكترونية. لكن المفاجأة أن هذه الشركات العالمية لم تولد داخل مختبرات التقنية، بل بدأت رحلتها في أعمال تبدو بعيدة تمامًا عن الابتكار الرقمي، قبل أن تعيد صياغة هويتها وتصبح من أبرز الأسماء في صناعة التكنولوجيا.
وتكشف هذه القصص أن النجاح لا يرتبط بطبيعة البداية، بل بالقدرة على قراءة تغيرات الأسواق، والاستثمار في الفرص الجديدة، وإعادة ابتكار نموذج العمل مع مرور الزمن.
نينتندو.. من أوراق اللعب إلى صناعة أشهر الألعاب
تُعد نينتندو واحدة من أقدم الشركات اليابانية، إذ تأسست عام 1889 على يد فوساجيرو ياماوتشي، ولم يكن نشاطها الأول مرتبطًا بالألعاب الإلكترونية، بل بإنتاج بطاقات اللعب اليابانية التقليدية المعروفة باسم “هانافودا”.
حققت هذه البطاقات رواجًا كبيرًا داخل اليابان، ثم بدأت الشركة في تطوير منتجاتها بإنتاج بطاقات بلاستيكية، ولاحقًا بطاقات تحمل شخصيات عالمية مثل ديزني، قبل أن تدخل عالم الألعاب الإلكترونية في سبعينيات القرن الماضي.
ومع إطلاق أجهزة الألعاب المنزلية ثم جهاز Nintendo Switch وسلاسل مثل Super Mario وThe Legend of Zelda، أصبحت نينتندو واحدة من أكبر شركات الترفيه الرقمي في العالم، مع استمرارها حتى اليوم في إنتاج بطاقات “هانافودا” التقليدية.
سامسونغ.. تجارة الأغذية كانت البداية
قبل أن تتحول إلى عملاق عالمي في الهواتف الذكية والإلكترونيات، بدأت سامسونغ عام 1938 كشركة صغيرة لتجارة المواد الغذائية في كوريا الجنوبية.
كان نشاطها يتركز على تصدير الخضروات والأسماك المجففة إلى الصين، كما امتلكت علامة شهيرة لإنتاج المعكرونة، إلى جانب استثمارات لاحقة في السكر، والمشروبات، والصوف، والمنتجات الزراعية.
التحول الحقيقي جاء مع تأسيس شركة سامسونغ للإلكترونيات عام 1969، وإطلاق أول تلفزيون أبيض وأسود بعد ذلك بعام، لتنطلق بعدها رحلة الشركة نحو الريادة العالمية في الإلكترونيات.
ورغم شهرتها الحالية في الهواتف الذكية وأشباه الموصلات، لا تزال مجموعة سامسونغ تنشط في مجالات متنوعة تشمل بناء السفن، والإنشاءات، والتأمين، والتكنولوجيا الحيوية.
شارب.. قلم ميكانيكي منح الشركة اسمها
يرتبط اسم “شارب” اليوم بالشاشات والأجهزة المنزلية، لكنه في الأصل يعود إلى اختراع ميكانيكي.
فقد أسس توكوجي هاياكاوا الشركة عام 1912 كورشة صغيرة للأعمال المعدنية، وابتكر بعد ثلاث سنوات قلمًا ميكانيكيًا حمل اسم “Ever-Ready Sharp”، وحقق نجاحًا واسعًا جعل الشركة تعتمد اسمه رسميًا.
وبعد أن دمر زلزال كانتو الكبير مصنعها عام 1923، أعادت الشركة توجيه أعمالها نحو صناعة أجهزة الراديو، قبل أن تصبح لاحقًا من أبرز الشركات اليابانية في مجال الإلكترونيات والشاشات والأجهزة المنزلية.
نوكيا.. مصنع ورق تحول إلى رائد للهواتف
بدأت نوكيا رحلتها عام 1865 كمصنع لإنتاج الورق اعتمادًا على لب الأخشاب، ثم توسعت تدريجيًا إلى صناعات أخرى شملت المطاط، والأحذية المقاومة للماء، وإنتاج الكهرباء.
وفي ستينيات القرن الماضي دخلت الشركة قطاع الإلكترونيات، قبل أن تحقق قفزتها الكبرى في عالم الهواتف المحمولة، حيث أصبحت بين عامي 1998 و2012 أكبر مصنع للهواتف في العالم.
وبعد بيع قطاع الهواتف إلى مايكروسوفت عام 2014، أعادت نوكيا رسم استراتيجيتها مرة أخرى، وركزت على حلول شبكات الاتصالات، والبنية التحتية الرقمية، وتقنيات الجيل الخامس.
إعادة الابتكار سر البقاء
تشترك هذه الشركات الأربع في حقيقة واحدة، وهي أن نجاحها لم يكن نتيجة التمسك بالنشاط الأول الذي بدأت به، بل جاء من قدرتها على التغيير في الوقت المناسب.
فالانتقال من أوراق اللعب، أو تجارة الأغذية، أو صناعة الأقلام، أو إنتاج الورق، إلى قيادة أسواق التكنولوجيا العالمية، يؤكد أن الابتكار لا يقتصر على تطوير المنتجات، بل يشمل أيضًا إعادة بناء هوية الشركات واستراتيجياتها بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية.
وتُعد هذه التجارب من أبرز الأمثلة العالمية على أهمية المرونة في إدارة الأعمال، والاستعداد المستمر للتطور، وهو ما يجعلها مصدر إلهام للشركات الناشئة ورواد الأعمال في مختلف القطاعات.
