رحل المصور البرازيلي همبرتو دا سيلفيرا بعد مسيرة امتدت لنحو أربعة عقود في المملكة، ترك خلالها أرشيفًا بصريًا يوثق الإنسان والمكان والتراث والتحولات التي شهدتها البلاد منذ وصوله إليها عام 1985.
لم تكن علاقة دا سيلفيرا بالمملكة مجرد مهمة مهنية عابرة؛ فقد حمل كاميرته بين المدن والقرى والصحاري، ووثّق العمارة التقليدية والحياة الاجتماعية والآثار والمواقع التاريخية، لتتحول أعماله مع مرور الوقت إلى جزء من الذاكرة البصرية للمملكة.
وتؤكد مصادر موثوقة أن أعماله ارتبطت بعدد من المشاريع والمعارض التي تناولت تاريخ المملكة وتراثها. ففي عام 2002، وثّقت تقارير Arab News مشاركته في معرض التوحيد الذي عرض صورًا للمواقع التاريخية والأثرية في المملكة، ضمن مشروع تعاون مع الفنان جيرهاردت ليبمان.
من 1985 إلى أربعة عقود خلف العدسة
بدأت رحلة دا سيلفيرا في المملكة عام 1985، وسرعان ما تحولت الكاميرا إلى وسيلته لاكتشاف البلاد وتوثيق تفاصيلها.
وخلال السنوات التالية، تنقل بين مناطق مختلفة، ملتقطًا صورًا للمدن والقرى والصحاري والمواقع التراثية، إلى جانب تفاصيل الحياة اليومية والعمارة التقليدية.
ومع تسارع التحولات العمرانية والاجتماعية، اكتسبت هذه الصور قيمة تتجاوز الجانب الفني؛ إذ أصبحت تسجل ملامح أماكن وأنماط حياة تغير بعضها أو اختفى مع مرور الزمن.
وتبرز أهمية هذا النوع من الأرشيف في ضوء الجهود المستمرة التي تبذلها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة للحفاظ على الذاكرة البصرية للمملكة. فقد أعلنت المكتبة في 2026 عن ترميم ومعالجة 10,861 مادة تاريخية، من بينها صور ووثائق وخرائط وكتب ومخطوطات، مؤكدة أهمية هذه المجموعات في توثيق تاريخ المملكة وتراثها وإتاحتها للأجيال المقبلة.
«نجد».. توثيق العمارة قبل التحولات
كان مشروع «نجد – Najd» من أبرز أعمال دا سيلفيرا، حيث ركز على العمارة التقليدية والتاريخية في منطقة نجد، ووثق تفاصيل المباني والقرى في مرحلة كانت التحولات الحديثة تعيد فيها تشكيل المشهد العمراني.
وأصبحت بعض الصور التي التقطها لمواقع تاريخية وثائق بصرية ذات قيمة خاصة، لأنها حفظت تفاصيل أماكن تغيرت ملامحها أو لم تعد قائمة بالشكل نفسه.
«بدو».. الإنسان في قلب الصورة
وفي مشروع «بدو – Bedu»، انتقلت العدسة من المكان إلى الإنسان بصورة أكبر، مع توثيق جوانب من حياة البادية في الجزيرة العربية وعاداتها وتفاصيلها اليومية.
ويكتسب هذا النوع من التوثيق أهمية خاصة اليوم، في ظل التغيرات الكبيرة التي شهدتها أنماط الحياة في المنطقة خلال العقود الماضية.
وتواصل المؤسسات الثقافية السعودية الاهتمام بتوثيق الحياة البدوية والتراث الصحراوي، ومن بينها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة التي أنتجت أعمالًا وثائقية حول حياة البدو في مناطق مختلفة من المملكة، بما يشمل الدهناء والصمان والربع الخالي وبيشة.
«التوحيد».. الصورة في خدمة التاريخ
ارتبط اسم دا سيلفيرا كذلك بمشروع «التوحيد – Attawheed» الذي تناول تاريخ المملكة وتوحيدها من خلال مجموعة من الأعمال البصرية.
وتشير التقارير المنشورة في Arab News إلى أن دا سيلفيرا كُلّف بتصوير المواقع التاريخية التي سبق أن رسمها الفنان جيرهاردت ليبمان، وأن الصور واللوحات عُرضت في جدة عام 1999، ثم انتقلت إلى بيروت وباريس قبل عرضها في الرياض.
كما تضمن مشروع «التوحيد» كتابًا جمع معلومات وصورًا عن تاريخ المملكة، ليصبح العمل سجلًا بصريًا يوثق جوانب من تاريخ البلاد وتراثها.
«هجر».. 22 عامًا مع الحِجر
ومن أكثر مشروعات دا سيلفيرا ارتباطًا بالمكان مشروع «هجر – Hegra»، الذي تناول منطقة الحِجر ومدائن صالح.
وامتدت رحلته في توثيق الموقع لنحو 22 عامًا، في تجربة تعكس طبيعة مشروعه الفوتوغرافي؛ فلم يكن الهدف التقاط صورة لمعلم أثري فحسب، وإنما بناء سجل بصري طويل الأمد للمكان وتفاصيله.
ويكتسب هذا الأرشيف أهمية إضافية اليوم مع المكانة العالمية التي أصبحت تتمتع بها الحِجر بوصفها أحد أبرز المواقع التراثية في المملكة.
الصور التي تحولت إلى ذاكرة
القيمة الحقيقية في تجربة دا سيلفيرا لا تكمن فقط في عدد الصور التي التقطها، وإنما في الفترة التاريخية التي اختار أن يوثقها.
فقد صور المملكة في مرحلة شهدت تحولات واسعة؛ من العمارة التقليدية والقرى القديمة إلى المدن الحديثة، ومن أنماط الحياة البدوية إلى التحولات الاجتماعية والعمرانية المتسارعة.
وهذا ما يجعل أعماله أقرب إلى سجل بصري متعدد الطبقات: صورة للإنسان، وصورة للمكان، وصورة للتراث، وصورة لمرحلة كاملة من تاريخ المملكة.
وتؤكد مقتنيات مكتبة الملك عبدالعزيز العامة أهمية الصورة التاريخية بوصفها مصدرًا للتوثيق والبحث؛ إذ تضم مجموعاتها صورًا نادرة ترصد تطور المدن والمعالم والحياة الاجتماعية والعمرانية في المملكة عبر فترات مختلفة.
إرث يتجاوز الصورة
كان دا سيلفيرا من المصورين الذين تركوا خلفهم أكثر من أعمال فنية؛ فقد أصبحت صوره جزءًا من الأرشيف الذي يمكن من خلاله قراءة المملكة في مراحل مختلفة من تاريخها الحديث.
وتشير مشاركته في معارض ومشروعات ثقافية إلى أن أعماله لم تكن معزولة عن جهود توثيق التراث السعودي، بل ارتبطت بمؤسسات ثقافية ومشروعات هدفت إلى حفظ التاريخ وإتاحته للجمهور والباحثين.
وفي عام 2010، ظهرت أعماله الفوتوغرافية ضمن معرض Routes d’Arabie الذي تناول تاريخ شبه الجزيرة العربية، حيث استخدمت صور كبيرة للمواقع التاريخية والأثرية في المملكة ضمن تصميم المعرض.
واليوم، مع رحيله، تستعيد هذه الصور قيمتها بصورة أكبر؛ لأنها لا توثق ما كان عليه المكان فقط، وإنما تكشف أيضًا كيف تغير المكان والإنسان عبر الزمن.
حين تتحدث الصور عن صاحبها
ربما يكون أكثر ما يلخص تجربة همبرتو دا سيلفيرا هو أن إرثه لم يحتج إلى أن يكون حاضرًا أمام الكاميرا.
فالمصور الذي أمضى عقودًا وهو يوجه عدسته إلى المملكة ترك خلفه عالمًا كاملًا من الصور: مدنًا وقرى وصحارى ومواقع أثرية ووجوهًا وتفاصيل يومية.
رحل صاحب العدسة، لكن الصور بقيت.
وبقي معها جزء من المملكة التي عرفها دا سيلفيرا، كما كانت في مراحل مختلفة من تاريخها، محفوظًا في أرشيف بصري يمكن للأجيال الحالية والمقبلة العودة إليه.

