يواصل المعهد الملكي للفنون التقليدية «ورث» توسيع حضور الفنون والحرف التقليدية السعودية من خلال إتاحة تجربة تعليمية مرنة تتيح للمهتمين التعرف على عدد من المهارات المرتبطة بالموروث الثقافي للمملكة، عبر ثماني دورات للتعلم الذاتي تغطي مجالات متنوعة، من زخارف جدة التاريخية والنقش على الجص إلى تطريز البشت وفنون المجوهرات.
وتأتي هذه المبادرة في إطار توجه أوسع للحفاظ على الفنون التقليدية بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية للمملكة، مع الاستفادة من أدوات وأساليب التعليم الحديثة لتسهيل وصول المعرفة الحرفية إلى جمهور أكبر، وربط الأجيال الجديدة بممارسات فنية وثقافية امتدت عبر مناطق المملكة ومجتمعاتها على مدى أجيال.
8 فنون تقليدية في تجربة تعليمية واحدة
تشمل الدورات التي يتيحها «ورث» ثمانية مجالات من الفنون والحرف التقليدية السعودية، وهي زخرفة من جدة التاريخية، والمشغولات الجلدية، وصناعة السبحة، وتطريز النقدة، والأجراس في المجوهرات، والرشم على الخشب، والنقش على الجص، وتطريز البخية في البشت.
ولا تركز التجربة على الجانب التطبيقي للحرفة فقط، بل تمنح المتعلم فرصة للتعرف على المعارف والأساليب والخصائص الفنية التي تميز كل مجال، بما يساعد على فهم السياق الثقافي الذي نشأت فيه هذه الممارسات وتطورت داخله.
وتعكس هذه المجالات الثراء والتنوع الذي تتميز به الفنون التقليدية في المملكة، حيث ترتبط بعض الحرف بالعمارة والزخارف المحلية، بينما ترتبط أخرى بالأزياء والمجوهرات والأدوات التي استخدمتها المجتمعات السعودية في حياتها اليومية ومناسباتها المختلفة.
التعلم الذاتي يمنح المتعلم مرونة أكبر
تعتمد الدورات على نموذج التعلم الذاتي، وهو ما يمنح المهتمين مرونة في الوصول إلى المحتوى ومتابعته وفق أوقاتهم واهتماماتهم، بعيدًا عن الالتزام بجدول زمني تقليدي للتعلم.
ويمثل هذا النموذج وسيلة عملية لتوسيع نطاق الاستفادة من المحتوى المتخصص في الفنون التقليدية، خصوصًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يرغبون في استكشاف مجال معين أو التعرف إلى حرفة جديدة دون الحاجة إلى الارتباط بمواعيد تعليمية ثابتة.
كما يفتح التعلم الرقمي المجال أمام وصول المعرفة المرتبطة بالحرف التقليدية إلى شرائح أوسع، بما يتجاوز حدود المكان، ويمنح المهتمين فرصة للتعرف على جوانب من التراث السعودي بطريقة أكثر سهولة ومرونة.
من المهارة الحرفية إلى المعرفة الثقافية
تكمن أهمية هذه التجربة في أنها لا تتعامل مع الفنون التقليدية باعتبارها مهارات يدوية منفصلة عن سياقها، وإنما تقدمها باعتبارها جزءًا من منظومة ثقافية تحمل تاريخًا ومعارف وأساليب متوارثة.
فالنقش على الجص، على سبيل المثال، يرتبط بجماليات العمارة والزخرفة التقليدية، بينما تحمل زخارف جدة التاريخية ملامح بصرية مرتبطة بالهوية العمرانية للمدينة. وفي المقابل، يمثل تطريز البشت والمجوهرات وصناعة السبحة نماذج من الحرف التي ارتبطت بالملابس والزينة والمناسبات الاجتماعية.
ومن خلال تقديم هذه الفنون بصورة تعليمية، يصبح التعرف إلى الحرفة مدخلًا لفهم جانب أوسع من الثقافة المحلية، بما يعزز تقدير التفاصيل التي تميز كل ممارسة فنية ويحافظ على المعرفة التي تقف خلفها.
«ورث» ودعم استدامة الفنون التقليدية
بدأ المعهد الملكي للفنون التقليدية «ورث» رحلته في عام 2021، بوصفه مؤسسة متخصصة في الفنون التقليدية، مع تركيز على تأهيل الكفاءات الوطنية المهتمة بتعلم هذه الفنون وممارستها وتطويرها.
ويرتبط عمل المعهد بهدف أوسع يتمثل في تمكين قطاع الحرف والفنون التقليدية ودعمه وتطويره، إلى جانب الإسهام في استدامة الإرث الثقافي الوطني ونقل المعارف والمهارات المرتبطة به إلى الأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، تمثل إتاحة الدورات للتعلم الذاتي خطوة تتجاوز تقديم محتوى تعليمي محدود؛ فهي تسهم في جعل المعرفة المرتبطة بالفنون التقليدية أكثر حضورًا في الحياة المعاصرة، وتوفر قناة إضافية أمام الراغبين في اكتشاف الحرف السعودية وتطوير اهتمامهم بها.
الحفاظ على التراث عبر أدوات العصر
تواجه الفنون التقليدية في مختلف أنحاء العالم تحديًا يتمثل في ضمان استمرار المهارات والمعارف المرتبطة بها، وليس فقط الحفاظ على منتجاتها النهائية. فالحرفة لا تنتقل من جيل إلى آخر من خلال القطع الفنية وحدها، وإنما من خلال المعرفة بالتقنيات والمواد والأساليب والتفاصيل التي تجعل لكل فن خصوصيته.
ومن هنا تكتسب مبادرات التعليم الرقمي أهمية خاصة؛ إذ يمكن أن تساعد في توثيق المعرفة وإتاحتها بصورة منظمة، وفي الوقت نفسه تشجيع الأجيال الجديدة على الاقتراب من الفنون التقليدية واكتشاف قيمتها الفنية والثقافية.
وتأتي تجربة «ورث» ضمن هذا المسار، عبر الجمع بين الموروث السعودي ووسائل التعلم الحديثة، بما يعزز فرص استمرار هذه الفنون وحضورها في المستقبل، ويحافظ على جانب مهم من الهوية الثقافية للمملكة.

