تواصل المملكة تشديد الرقابة البيئية على المشاريع الإنشائية في الرياض، في إطار جهود تستهدف الحد من انبعاثات الغبار وتحسين جودة الهواء في العاصمة، بالتزامن مع التوسع المتسارع في أعمال البناء والمشاريع التنموية.
وأعلن المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي فرض غرامات تجاوزت 20 مليون ريال على مشاريع إنشائية في الرياض بسبب مخالفات مرتبطة بتلوث الغبار، بعد تنفيذ جولات تفتيشية ورقابية بالتعاون مع الهيئة الملكية لمدينة الرياض وأمانة منطقة الرياض.
منظومة رقابية على مدار الساعة
تأتي هذه الإجراءات ضمن مبادرة أُطلقت في فبراير 2026 بهدف التحكم في الغبار الناتج عن الأعمال الإنشائية والحد من تأثيراته على جودة الهواء في العاصمة.
ويعتمد المركز في عمليات الرصد على 12 محطة ثابتة وأربع محطات متنقلة لمراقبة مستويات الغبار الناتج عن مواقع الإنشاءات.
وتعمل المنظومة الرقابية على مدار 24 ساعة يوميًا وطوال أيام الأسبوع، بما يتيح للفرق المختصة تحديد المواقع المخالفة بدقة، وقياس مستويات التلوث الناتجة عنها، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المشاريع غير الملتزمة.
اشتراطات بيئية خاصة بالمشاريع الإنشائية
وكان المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي قد أعلن في فبراير الماضي، بالتعاون مع الهيئة الملكية لمدينة الرياض، عن 11 اشتراطًا خاصًا للتحكم والسيطرة على الغبار الناتج عن الأعمال الإنشائية.
وتطبق هذه الاشتراطات على المشاريع الإنشائية التي تبلغ مساحتها 2000 متر مربع فأكثر، مع فرض غرامة تصل إلى 50 ألف ريال لكل اشتراط مخالف.
وتشمل الإجراءات المطلوبة مجموعة من الممارسات التي تستهدف الحد من تطاير الأتربة، من بينها استخدام مثبطات الغبار والرش اليومي في مواقع العمل، وتنظيم حركة الشاحنات، والتأكد من تغطيتها بشكل محكم أثناء عمليات النقل.
كما تتضمن الاشتراطات تركيب أجهزة لقياس جودة الهواء داخل المواقع وربطها بالمنصة الموحدة لرصد الغبار الناتج عن المشاريع الإنشائية في الرياض، إلى جانب تقديم تقارير دورية حول الأداء البيئي للمشروع.
التكنولوجيا في مواجهة الغبار
يعكس الاعتماد على المحطات الثابتة والمتنقلة تحولًا نحو الرقابة البيئية القائمة على البيانات والرصد الفوري، بدلًا من الاقتصار على الجولات الميدانية التقليدية.
ويساعد الجمع بين محطات القياس والمراقبة الميدانية على تحديد مستويات الغبار ومواقع مصادر الانبعاثات بصورة أكثر دقة، الأمر الذي يمنح الجهات الرقابية قدرة أكبر على التعامل مع المخالفات وربطها بالمواقع المسؤولة عنها.
كما أعاد المركز توزيع محطات قياس جودة الهواء بما يتناسب مع حجم تأثير المشاريع الإنشائية الكبرى في الرياض، بما يعزز قدرة المنظومة على التركيز على المناطق التي تشهد نشاطًا إنشائيًا واسعًا.
التوسع العمراني يرفع أهمية الالتزام البيئي
تشهد الرياض تنفيذ عدد كبير من المشاريع العمرانية والتنموية، وهو ما يجعل إدارة الآثار البيئية المصاحبة لأعمال البناء عنصرًا أساسيًا في التخطيط الحضري.
ولا تقتصر مشكلة الغبار على الجانب البصري، إذ يمكن لانبعاثات الأتربة والجسيمات الناتجة عن أعمال الإنشاء والحفر والنقل أن تؤثر في جودة الهواء، خصوصًا عندما لا يتم التحكم فيها وفق الإجراءات والمعايير البيئية المعتمدة.
ومن هنا تأتي أهمية إلزام المشاريع باتخاذ إجراءات وقائية منذ مراحل العمل الأولى، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع آثار التلوث بعد حدوثها.
الغرامات أداة لتعزيز الامتثال
ولا تستهدف العقوبات المالية مجرد معاقبة المشاريع المخالفة، وإنما تمثل جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى رفع مستوى الالتزام بالمعايير البيئية وتحفيز المنشآت على تطبيق إجراءات السيطرة على الغبار بصورة مستمرة.
وتشير قيمة الغرامات المعلنة، التي تجاوزت 20 مليون ريال، إلى حجم التركيز الرقابي على هذا الملف، وإلى جدية الجهات المختصة في تطبيق المتطلبات البيئية على المشاريع الإنشائية في العاصمة.
وفي المقابل، يتيح الالتزام بالإجراءات المطلوبة للمشاريع تجنب المخالفات، مع الاستمرار في تنفيذ الأعمال ضمن إطار أكثر توافقًا مع متطلبات جودة الهواء.
رقابة مستمرة على الأنشطة التنموية
أكد المركز أن الرقابة الفورية على مؤشرات جودة الهواء مستمرة على مختلف الأنشطة التنموية في مناطق المملكة وفق اللائحة التنفيذية لجودة الهواء، بينما جاءت الإجراءات الخاصة بالغبار في الرياض بالتزامن مع النمو المتزايد للمشاريع التنموية في العاصمة.
ويعكس ذلك توجهًا نحو دمج الاعتبارات البيئية في مراحل تنفيذ المشاريع، خصوصًا في المدن التي تشهد توسعًا عمرانيًا كبيرًا وتحتاج إلى تحقيق التوازن بين سرعة التنمية والحفاظ على جودة الحياة.
الرياض نحو نمو عمراني أكثر استدامة
تمثل مكافحة الغبار الناتج عن الإنشاءات جزءًا من تحدٍ أكبر يتعلق بكيفية إدارة النمو الحضري بطريقة تحافظ على البيئة وجودة الحياة في الوقت نفسه.
ومع استمرار توسع المشاريع في الرياض، يتزايد دور أنظمة الرصد والبيانات والاشتراطات البيئية في ضمان أن يكون هذا النمو مصحوبًا بمستوى مناسب من المسؤولية البيئية.
وتؤكد الإجراءات الجديدة أن الالتزام البيئي أصبح عنصرًا أساسيًا في دورة تنفيذ المشاريع، من خلال الجمع بين الاشتراطات التنظيمية، والرصد المستمر، والتقنيات الحديثة، والتفتيش الميداني والعقوبات الرادعة، بما يدعم هدف تحسين جودة الهواء وتعزيز استدامة التنمية في العاصمة.

