عادة يمارسها الملايين يوميًا قد تغيّر طريقة عمل الذاكرة

عادة يمارسها الملايين يوميًا قد تغيّر طريقة عمل الذاكرة

أصبحت الهواتف الذكية جزءًا أساسيًا من تفاصيل الحياة اليومية، فهي تحفظ أرقام الهواتف والمواعيد والصور وقوائم المهام، وتحدد الطرق، وتوفر المعلومات خلال ثوانٍ. لكن هذا الاعتماد المتزايد على الأجهزة الرقمية يثير تساؤلات علمية حول تأثيره في الطريقة التي يستخدم بها الإنسان ذاكرته.

ويبحث علماء النفس والأعصاب ظاهرة تُعرف باسم «فقدان الذاكرة الرقمية» (Digital Amnesia)، وهي لا تعني بالضرورة أن الهواتف الذكية تتسبب في تلف الذاكرة، وإنما تصف ميل الإنسان إلى الاعتماد على الأجهزة والإنترنت باعتبارهما مخزنًا خارجيًا للمعلومات بدلًا من الاحتفاظ بكل التفاصيل في الذاكرة.

الهاتف يتحول إلى «ذاكرة خارجية»

قبل الانتشار الواسع للهواتف الذكية، كان تذكر أرقام الهواتف والمواعيد والطرق والمعلومات اليومية جزءًا معتادًا من حياة الكثيرين. أما اليوم، فيمكن الوصول إلى معظم هذه البيانات بضغطة واحدة.

هذا التحول جعل الدماغ أقل حاجة إلى تخزين بعض أنواع المعلومات التي يعرف الإنسان مسبقًا أنه يستطيع استعادتها بسهولة من هاتفه أو عبر الإنترنت.

ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع قدرة الدماغ، بل قد يكون مثالًا على ما يُعرف بـالتفريغ المعرفي (Cognitive Offloading)، أي استخدام وسائل خارجية لتقليل العبء المعرفي المطلوب لإنجاز مهمة معينة.

«تأثير غوغل».. نتذكر أين توجد المعلومة بدلًا من المعلومة نفسها

من أبرز الأبحاث في هذا المجال دراسة نُشرت عام 2011 في مجلة Science وبحثت ما أصبح يعرف باسم Google Effect.

وأظهرت التجارب أن الأشخاص عندما يتوقعون أن تكون المعلومة متاحة لهم لاحقًا، يصبحون أقل ميلًا إلى تذكر المعلومة نفسها، بينما تتحسن قدرتهم على تذكر أين يمكن العثور عليها.

وتشير النتيجة إلى أن الدماغ لم يتوقف عن استخدام الذاكرة، وإنما أعاد توزيع المهمة: فبدلًا من حفظ كل معلومة، قد يحتفظ بالطريق الذي يسمح بالوصول إليها عند الحاجة.

هل الهاتف يضعف الذاكرة فعلًا؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علمية كافية تسمح بالقول إن استخدام الهواتف الذكية يؤدي بصورة مباشرة إلى تلف دائم في الذاكرة.

لكن الباحثين يلفتون إلى جانب مختلف من المشكلة، وهو أن بعض المهارات الذهنية قد تحصل على قدر أقل من التدريب عندما نتوقف عن استخدامها بصورة منتظمة.

فعندما يحفظ الهاتف الأرقام، والتقويم يتذكر المواعيد، ومحرك البحث يستعيد المعلومات، وتطبيق الملاحة يحدد الطريق، تقل الحاجة اليومية إلى ممارسة بعض عمليات الحفظ والاسترجاع والتوجيه المكاني بالطريقة التقليدية.

خرائط الهاتف قد تغير طريقة تنقلنا

تطبيقات الملاحة مثل Google Maps تمثل مثالًا واضحًا على هذا التحول.

ففي السابق، كان الوصول إلى مكان جديد يتطلب الانتباه إلى الشوارع والمعالم والاتجاهات وبناء خريطة ذهنية للمسار. أما أنظمة GPS فتقدم للمستخدم تعليمات متتابعة حتى الوصول إلى الوجهة.

وأشارت أبحاث إلى وجود علاقة بين الاعتماد المتكرر على أنظمة GPS وبين أداء أضعف في بعض مهام الملاحة التي تتطلب الاعتماد على الذاكرة المكانية.

لكن ذلك لا يعني أن استخدام الخرائط الرقمية يسبب تلفًا في الدماغ؛ فالفرضية الأقرب هي أن المهارات التي نستخدمها بدرجة أقل تحصل ببساطة على تدريب أقل.

تجربة سائقي تاكسي لندن تكشف قدرة الدماغ على التكيف

ومن أشهر الأدلة على ارتباط التدريب بالقدرات المكانية أبحاث أجريت على سائقي سيارات الأجرة في لندن.

فقد كان السائقون مطالبين باكتساب معرفة واسعة بشبكة معقدة من شوارع العاصمة البريطانية وطرقها، ووجدت دراسات بقيادة عالمة الأعصاب إليانور ماغواير ارتباطًا بين الخبرة المكثفة في الملاحة واختلافات في منطقة الحُصين (Hippocampus)، وهي منطقة دماغية ترتبط بالذاكرة والتوجيه المكاني.

وتدعم هذه الأبحاث فكرة مهمة: الدماغ يتكيف مع المهام والمهارات التي نمارسها باستمرار.

المشكلة قد لا تكون في التخزين وحده

هناك عامل آخر ربما يكون أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية، وهو الانتباه.

فالإشعارات المتلاحقة والانتقال المستمر بين التطبيقات والرسائل ومقاطع الفيديو قد تجعل الحفاظ على التركيز أكثر صعوبة.

والانتباه عنصر أساسي في تكوين الذكريات؛ إذ يحتاج الدماغ أولًا إلى معالجة المعلومة بصورة جيدة حتى يتمكن من ترميزها واستعادتها لاحقًا.

وبالتالي، قد لا تكون المشكلة دائمًا أننا «نسينا» معلومة تم تخزينها، وإنما أننا لم نمنحها انتباهًا كافيًا منذ البداية حتى تتكون لها ذكرى قوية.

هل يجب التوقف عن استخدام الهاتف؟

لا تشير الأبحاث إلى ضرورة التخلي عن الهواتف أو محركات البحث أو أنظمة الملاحة. فهذه الأدوات توفر فوائد كبيرة وتسمح للإنسان بتوجيه قدراته الذهنية نحو مهام أخرى أكثر تعقيدًا.

لكن النتائج تطرح فكرة أكثر توازنًا: استخدام التكنولوجيا لا يحتاج إلى أن يعني التوقف عن استخدام الذاكرة.

محاولة تذكر بعض المعلومات قبل البحث عنها، وحفظ عدد من الأرقام المهمة، والتنقل أحيانًا بالاعتماد على المعالم، وتقليل الإشعارات أثناء العمل أو الدراسة، كلها ممارسات تمنح الذاكرة والانتباه فرصًا أكبر للعمل بصورة نشطة.

وفي النهاية، يبدو أن السؤال العلمي لم يعد ببساطة: «هل الهواتف تضعف ذاكرتنا؟»، وإنما كيف تعيد التكنولوجيا تشكيل الطريقة التي نختار بها ما نتذكره بأنفسنا وما نترك للأجهزة مهمة تذكره نيابة عنا؟