قطاع الصناعات الدوائية يشهد تحولًا متسارعًا مدفوعًا برؤية المملكة 2030، وسط توقعات بوصول حجم السوق إلى أكثر من 15 مليار دولار
يشهد قطاع الصناعات الدوائية في المملكة تحولًا استراتيجيًا متسارعًا، مدفوعًا بمستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز الأمن الصحي والدوائي، ورفع قدرات التصنيع المحلي، وتوطين التقنيات المتقدمة، إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة المخزون وسلاسل الإمداد وخفض الهدر.
وتسعى المملكة من خلال هذه التحولات إلى بناء منظومة دوائية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات وتقلبات سلاسل التوريد العالمية، مع تقليل الاعتماد على الاستيراد في المنتجات ذات الأولوية الاستراتيجية، وتحفيز الاستثمارات المحلية والدولية في الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية.
سوق دوائية تتجاوز 15 مليار دولار
تعكس المؤشرات الاقتصادية حجم الفرص الواعدة في القطاع، إذ تشير تقديرات نقلتها “العربية.نت” عن مؤسسة فيتش سوليوشنز إلى أن قيمة سوق الأدوية في المملكة بلغت نحو 11.72 مليار دولار، ما يعادل قرابة 44 مليار ريال، في عام 2022.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع قيمة السوق إلى نحو 15.09 مليار دولار، أي ما يقارب 56.6 مليار ريال، بحلول عام 2027، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 5.2%.
ويعزز هذا النمو أهمية تطوير قاعدة صناعية وطنية قادرة على تلبية جانب متزايد من الطلب المحلي، بالتوازي مع بناء قدرات تصديرية تستهدف الأسواق الإقليمية والعالمية.
التصنيع المحلي في قلب استراتيجية الأمن الدوائي
وأكد الدكتور ياسر العبيداء، الرئيس التنفيذي لشركة سدير فارما، أن المملكة قطعت خطوات متقدمة في تعزيز أمنها الدوائي، خاصة في أعقاب الدروس التي كشفت عنها جائحة كورونا بشأن أهمية امتلاك قدرات تصنيع محلية تضمن استمرارية توفير الأدوية خلال الأزمات.
ويتركز التوجه على زيادة تصنيع الأدوية الأساسية والاستراتيجية محليًا، وتنويع مصادر المواد الخام، وبناء مخزونات استراتيجية من الأدوية الحيوية، بما يقلل من المخاطر المرتبطة باضطرابات سلاسل الإمداد الدولية.
ورغم استمرار الاعتماد على الواردات في بعض الأدوية المتخصصة والمواد الفعالة، فإن القطاع يشهد تقدمًا في مسار التوطين، مع التركيز على مجالات متقدمة تشمل الأدوية الحيوية وأدوية الأورام واللقاحات ومشتقات البلازما.
من 40 إلى نحو 85 مصنعًا خلال خمس سنوات
من جانبه، أشار المستثمر في قطاع الأدوية وعضو لجنة الصناعات والطاقة في غرفة الرياض عمر الخراشي إلى التحول الذي شهدته خريطة الصناعات الدوائية في المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب تصريحاته لـ”العربية.نت”، ارتفع عدد المصانع الدوائية المسجلة من نحو 40 مصنعًا في عام 2020 إلى ما يقارب 85 مصنعًا في عام 2025، في مؤشر على تسارع الاستثمارات وتوسع القاعدة الصناعية المحلية.
وتعمل الجهات المعنية كذلك على استقطاب الشركات الدوائية العالمية، وتشجيعها على تأسيس عمليات تصنيع داخل المملكة أو الدخول في شراكات تستهدف نقل المعرفة والتقنيات المتقدمة إلى الشركات والمصانع الوطنية.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل قطاع الدواء
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الممكنات التي يُتوقع أن تعيد تشكيل الصناعة الدوائية خلال السنوات المقبلة، خاصة في مجالات التنبؤ بالطلب وإدارة المخزون وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد.
ويمكن للأنظمة القائمة على تحليل البيانات المساعدة في توقع احتياجات السوق استنادًا إلى المؤشرات السكانية والوبائية، ومراقبة مستويات المخزون بصورة لحظية، وإطلاق إنذارات مبكرة عند توقع حدوث نقص أو فائض في بعض المنتجات.
كما تتيح التقنيات الرقمية تتبع المنتجات منذ مراحل التصنيع وحتى وصولها إلى المنشآت الصحية والصيدليات والمرضى، فضلًا عن دعم قرارات الشراء والتوزيع وتقليل الفاقد خلال العمليات الصناعية.
منظومة دوائية مترابطة بالبيانات
يفتح التحول الرقمي الباب أمام تطوير منظومة وطنية مترابطة تربط بين المصنع والمستودع والمستشفى والصيدلية ضمن بيئة تعتمد بصورة أكبر على البيانات والذكاء الاصطناعي.
ومن شأن هذا التكامل تحسين دقة التنبؤ بالاحتياجات الفعلية، وتسريع الاستجابة للتغيرات في الطلب، وتعزيز القدرة على إعادة توزيع المخزون بين المنشآت قبل انتهاء صلاحية المنتجات، بما يرفع كفاءة الإنفاق ويحسن الاستفادة من الموارد.
خفض الهدر الدوائي أولوية اقتصادية وصحية
بالتوازي مع التوسع الصناعي، يمثل الهدر الدوائي أحد التحديات التي تعمل المنظومة الصحية على مواجهتها، إذ يرتبط بصرف كميات تتجاوز الحاجة الفعلية، وضعف إدارة المخزون، وانتهاء صلاحية بعض المنتجات، وتكرار صرف الوصفات، إلى جانب عدم التزام بعض المرضى بخطط العلاج.
وتشمل الحلول المقترحة توحيد السجلات الدوائية الإلكترونية، وتطبيق أنظمة ذكية لإدارة المخزون، وتحسين آليات صرف الأدوية، واستخدام تحليلات البيانات للتنبؤ بالاستهلاك، وإعادة توزيع المخزون قبل انتهاء صلاحيته وفق الأنظمة المعتمدة.
كما تلعب الشركة الوطنية للشراء الموحد للأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية “نوبكو” دورًا في رصد الاحتياجات ومواءمة عمليات الشراء، بما يسهم في تقليل الفائض وتحسين كفاءة الإنفاق.
طموح لبناء مركز إقليمي للصناعات الدوائية
تدعم البنية التحتية الصناعية والموقع اللوجستي للمملكة والحوافز الاستثمارية المتاحة طموحاتها لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للصناعات الدوائية والتقنيات الحيوية.
ويتمثل الهدف الاستراتيجي في الوصول إلى مستويات مرتفعة من الاكتفاء في الأدوية ذات الأولوية، وليس تحقيق اكتفاء كامل في جميع المنتجات، بالتوازي مع تطوير صناعة تصديرية تنافس في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وتضع هذه التحولات المملكة أمام مرحلة جديدة تنتقل فيها الصناعة الدوائية من التركيز على التصنيع التقليدي إلى منظومة أكثر اعتمادًا على الابتكار والبحث والتطوير والتقنيات الحيوية والذكاء الاصطناعي، بما يدعم الأمن الصحي الوطني ويسهم في تنويع الاقتصاد وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

