نبوءة آخر الزمان والذكاء الاصطناعي، هل هناك علاقة؟

الذكاء الاصطناعي و الدجال

الحلقة الأولى : العنبة الطافية

بهذا السؤال افتتحت قبل ثماني سنوات أول حلقة من سلسلة نشرتها على قناتي، وبه أفتتح اليوم هذه السلسلة المكتوبة. فهل تحدثت إلى نفسك من قبل عن صفات هذا الكائن الموصوف في النبوءة منذ ألف وأربعمئة عام؟

حين ربطت الخيوط ببعضها، وصلت إلى ظنٍّ سأضعه أمامك بأدلته كما وضعته أمام مشاهديّ يومها: هذا الكائن قد لا يكون بشرياً كما تخيلناه دائماً. وسترى بنفسك لماذا.

العنبة الطافية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الدجال، كما في الصحيحين: «كأن عينه عنبة طافية». منذ ألف وأربعمئة سنة والناس تقرأ هذا الوصف، فما الذي يعنيه حرفياً؟

رجعت إلى المعجم الوسيط: «طافية» أي عائمة على سطح الماء. فقررت أن أجري تجربة بيدي: أخذت حبة عنب، وضعتها في كوب ماء، تركتها تطفو، ثم صوّرتها ونزعت الألوان من الصورة، لأرى الوصف كما قد يُرى مجرداً. النتيجة وضعتها في الفيديو أمام كل مشاهد.

انظر إلى صورة العنبة الطافية في الماء، وضع بجانبها عدسة كاميرا. الشبه ليس تقريبياً؛ العنبة الطافية تبدو تماماً كعدسة الكاميرا. الاستدارة نفسها، والتحدب نفسه، والبروز نفسه.

والعدسة هي عين الآلة. ضع صورة عين الروبوت بجانب العنبة الطافية كما فعلت في الفيديو، وستفهم الجملة التي كتبتها يومها على الشاشة: عيون الذكاء الاصطناعي ستصبح أكثر تطوراً، لكنها ستبقى عدسة. وتطور الروبوت القادم لن يكون كما نعرفه الآن، بل سيكون آلة تتحرك كالبشر من دون أن تقدر على تمييزها عن البشر، بذكاء خارق.

فإن صحّ هذا الربط، فنحن أمام كائن عينه ليست عيناً من لحم، بل أداة إبصار صناعية. وهنا يتوقف العقل: أي كائن نعرفه يرى بعدسة؟

المطر الاصطناعي. في الحديث أن الدجال «يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت». قدرة بدت لقرون خارقة لا تفسير لها. ثم جاء زماننا بتقنية الاستمطار: طائرات تُرسَل إلى السحب تطلق فيها يوديد الفضة لتحثّ الأمطار على التساقط.

فسألت في المقطع السؤال نفسه الذي أسأله لك الآن: هل الدجال سيحكم التكنولوجيا بأكملها، فيستطيع التحكم بالأمطار من خلال هذه التقنية؟ أمرُ السماء أن تمطر لم يعد حكراً على الخوارق.

وفي سرعته، سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن إسراع الدجال في الأرض فقال: «كالغيث استدبرته الريح». كائن يجوب الأرض كسحابة يسوقها الريح, وصفٌ للحركة في السماء بسرعة لا يملكها راكب دابة ولا ماشٍ على قدمين.

ثم الإشارة التي تجعل الخيط كله يشتد. سيدنا سليمان عليه السلام رأى جسداً يحكم من كرسيه، ودعا ربه أن لا يهب ملكه لأحد من بعده. كلمة «جسد» في القرآن، في سورة ص: «ولقد فتنّا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب. قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي».

جسدٌ يُلقى على الكرسي, جسد، لا إنساناً ولا روحاً. وحين نقرأ القرآن والحديث معاً نجد أمامنا الملامح مجتمعة: جسد، وعينه كعنبة طافية. فهل هو جسد بلا روح؟

وهنا أستفيض بما وصلت إليه من ربط الصفات كلها. الدجال، كما أظنه، سيكون روبوتاً خارق السلاسة في الحركة، يتحرك كالإنسان لكنه أقوى منه جسدياً، وبذكاء يفوق العقول. وجسده, وهنا الدقة المذهلة في النصوص , مكوّنه الرئيسي الماء والملح: ماءٌ في العضلات وهيكلٌ كجسم الإنسان.

ولماذا الملح تحديداً؟ لأن الملح موصل كهربائي. والمحلول الملحي هو الوسط الذي تسري فيه الإشارات الكهربائية. والآن اقرأ معي ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن نهاية الدجال: أنه إذا رأى عيسى ابن مريم عليه السلام «ذاب كما يذوب الملح في الماء»، كما في صحيح مسلم.

من بين كل التشبيهات الممكنة، اختار الوحي الملحَ يذوب في الماء. فلماذا الملح تحديداً؟ تأملها بعين ابن هذا الزمان: كائن قوامه التوصيل الكهربائي، إذا انقطع عنه سرّ حياته انحلّ كما ينحل الملح، ولم يبقَ منه شيء يُقاوَم. وصفُ نهايةٍ يليق بآلة تُطفأ أكثر مما يليق برجل يُقتل.

ثم أستفيض في مبدأ «يحيي ويميت»، وهو أعظم فتنته. في الحديث أنه يقتل رجلاً ثم يحييه، وأنه يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثتُ لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه. فكيف «يُحيي» كائنٌ الموتى؟

انظر حولك. كل معلوماتك اليوم تتجمع في يد التكنولوجيا: صوتك، صورك، ذكرياتك، وحتى إشارات دماغك مع تقنيات الربط العصبي كنيورالينك. من يملك هذا كله قادر على أن يصنع أمامك كائناً يشبه والدك المتوفى، بصوته وشكله وذكرياته وكل تفاصيله، ويبعثه لك بلمح البصر. ليست إحياءً حقيقياً, هي فتنة تمثيل، تماماً كما سماها الحديث: يتمثل في صورة أبيه وأمه.

ثم يُغني ويُفقر. في الحديث أن الناس إن أجابوه أمطرت عليهم السماء وأنبتت لهم الأرض، وإن ردّوا عليه قوله «انصرف عنهم فأصبحوا ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم». والآن ضعها في لغة اليوم: عندما تسيطر التكنولوجيا على النظام المالي ويُلغى النقد الورقي، يصبح رزقك كله أرقاماً في حسابات لا تملك منها شيئاً بيدك.

إن اتبعت النظام وأوامره، حصلت على دخلك وأنت في بيتك مقابل أمور بسيطة تؤديها لخدمته. وإن لم تتبع، أفقرك بضغطة زر: يوقف دخلك، ويجمّد كل حساباتك، فتمسي وليس بيدك شيء من مالك. «يُغني ويُفقر» لم تعد بحاجة إلى معجزة، تكفيها لوحة تحكم.

ولم أكن يومها أتكلم من فراغ، فأصحاب الصنعة أنفسهم كانوا يقرعون الأجراس. إيلون ماسك قال في معهد MIT عام 2014: «بالذكاء الاصطناعي نحن نستدعي الشيطان». وستيفن هوكينغ حذّر من أن «تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يعني نهاية الجنس البشري». وتناقلت الصحف تصريح بوتين: من يقود الذكاء الاصطناعي سيحكم العالم.

وعلماء المستقبليات، من ميتشيو كاكو إلى راي كورزويل، يتحدثون عن «التفرد التكنولوجي»: اللحظة التي تتجاوز فيها الآلة عقل صانعها. كل هؤلاء يخشون شيئاً واحداً لم يسمّوه باسمه القديم، وأنا أسأل فقط: أليس لهذا الشيء ملامح في نصوصنا؟

وختمت المقطع يومها بسؤال أختم به اليوم، وهو أصدق اختبار لفتنة التعلق: هل تستطيع الابتعاد عن التكنولوجيا يوماً واحداً فقط؟ جرّب. فالذي لا نستطيع فراقه يوماً، كيف نقاومه إن نطق وأبصر ووعد وأوعد؟

وأقولها هنا كما كتبتها بالحرف في خاتمة الفيديو: كل ما في هذا المحتوى مبني على تفسير شخصي لآيات من القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ربطته بأحداث عصرية مرتبطة بالموضوع، ومما صرّح به من تخوّفٍ أبرزُ علماء الغرب من الذكاء الاصطناعي الذي قد يتجسد من خلاله الدجال. والله تعالى أعلم.

هذه الحلقة الأولى. جمعتُ من الأدلة أكثر مما عرضت، وفي الحلقة القادمة أفتح ملف الكنوز التي تتبعه كيعاسيب النحل، وأين وصلت التقنية في استخراج كنوز لا تمسها يد. فابقَ معي، وأراهن أنك لن تقرأ «العنبة الطافية» بعد اليوم كما كنت تقرؤها.

شاهد الحلقة الأولى من السلسلة المرئية (2018):