تُعد ميلاني بيركنز واحدة من أنجح رائدات الأعمال وأكثرهن تأثيرًا في قطاع التكنولوجيا خلال جيلها. وتُعرف على نطاق واسع بصفتها المؤسِّسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لشركة كانفا، حيث ساهمت في تحويل فكرة بسيطة تقوم على جعل التصميم أسهل للجميع إلى واحدة من أعلى شركات البرمجيات الخاصة قيمة في العالم.
وبدأت رحلتها في عالم ريادة الأعمال من مشكلة لاحظتها بنفسها، وهي أن برامج التصميم الاحترافية كانت في كثير من الأحيان معقدة ومكلفة، كما كان تعلم استخدامها يحتاج إلى وقت طويل بالنسبة للمبتدئين.
ورأت بيركنز أنه من الممكن جعل عملية التصميم أكثر سهولة وتعاونًا وإتاحة للجميع من خلال الإنترنت.
وتحولت هذه الرؤية لاحقًا إلى كانفا، وهي منصة عالمية للتواصل البصري يستخدمها الأفراد والطلاب والمعلمون وصناع المحتوى والشركات الصغيرة والمؤسسات غير الربحية، إلى جانب عدد كبير من كبرى الشركات العالمية.
وبحلول نهاية عام 2025، أعلنت كانفا وصولها إلى نحو 260 مليون مستخدم نشط شهريًا، إلى جانب تحقيق إيرادات سنوية بلغت 3.5 مليار دولار، كما أشارت الشركة إلى استخدام منصتها من جانب 95 في المئة من الشركات المدرجة ضمن قائمة أكبر 500 شركة أمريكية.
عمر ميلاني بيركنز ونشأتها
وُلدت ميلاني بيركنز عام 1987، ونشأت في مدينة بيرث بولاية أستراليا الغربية.
ومنذ سنواتها الأولى، ظهرت لديها عقلية طموحة واهتمام واضح بريادة الأعمال.
لكن طريقها إلى عالم التكنولوجيا لم يعتمد بصورة أساسية على البرمجة أو الهندسة، بل بدأ من اهتمامها بكيفية جعل الأدوات الإبداعية المعقدة أكثر سهولة بالنسبة للمستخدمين العاديين.
وخلال دراستها في جامعة أستراليا الغربية، عملت في تعليم الطلاب كيفية استخدام برامج التصميم.
وأثناء هذه التجربة، لاحظت مدى الصعوبة التي يواجهها المبتدئون عند محاولة تعلم برامج التصميم الاحترافية.
فكان الطلاب يحتاجون إلى وقت طويل لفهم الوظائف الأساسية للبرامج قبل أن يتمكنوا من البدء في إنشاء تصميمات مفيدة.
ومن هنا، بدأت بيركنز تتخيل مستقبلًا تصبح فيه عملية التصميم متاحة عبر الإنترنت، وأكثر سهولة، وتسمح بالتعاون بين المستخدمين دون الحاجة إلى خبرة تقنية متقدمة.
وأصبحت هذه الملاحظة فيما بعد الأساس الذي قامت عليه فكرة كانفا.

المشروع الأول.. فيوجن بوكس
قبل تأسيس كانفا، أطلقت ميلاني بيركنز مع كليف أوبريخت مشروع فيوجن بوكس، وهو منصة إلكترونية تهدف إلى تبسيط عملية تصميم الكتب السنوية للمدارس.
وأتاح المشروع للمدارس والطلاب تصميم الكتب السنوية من خلال نظام إلكتروني أكثر سهولة، بدلًا من الاعتماد الكامل على برامج التصميم التقليدية المعقدة.
وكان فيوجن بوكس بمثابة تجربة عملية لفكرة أكبر بكثير.
فإذا كان من الممكن تبسيط تصميم الكتب السنوية، فقد يكون من الممكن تطبيق الفكرة نفسها على جميع أنواع المحتوى البصري تقريبًا.
ومنحت هذه التجربة بيركنز وأوبريخت دروسًا مهمة حول تطوير المنتجات، وفهم احتياجات العملاء، والتعاون عبر الإنترنت، وإدارة شركة تعتمد على التكنولوجيا.
كما أصبح المشروع خطوة أساسية في الطريق نحو تأسيس كانفا.
الفكرة وراء تأسيس كانفا
كانت الفكرة الأساسية وراء كانفا بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الطموح: جعل التصميم متاحًا للجميع.
فقد كانت أدوات التصميم الاحترافية التقليدية تحتاج إلى قدر كبير من التدريب والخبرة.
وتخيلت بيركنز منصة تعمل عبر الإنترنت، يستطيع المستخدم من خلالها إنشاء تصميمات ذات مظهر احترافي باستخدام أدوات بسيطة، وقوالب جاهزة، وواجهة سهلة الاستخدام.
لكن تحويل هذه الفكرة إلى شركة تكنولوجيا عالمية لم يكن أمرًا سهلًا.
فقد واجهت بيركنز وأوبريخت صعوبات كبيرة في إقناع المستثمرين بتمويل المشروع، خاصة أنهما كانا يبنيان الشركة من أستراليا بعيدًا عن وادي السيليكون، الذي كان يمثل المركز الأهم للاستثمارات التقنية.
وتشير تقارير إلى أن بيركنز واجهت رفضًا من أكثر من 100 مستثمر أثناء محاولاتها الحصول على التمويل.
لكنها لم تتخلَّ عن الفكرة، واستمرت مع شركائها في تطوير المشروع وبناء شبكة من العلاقات القادرة على مساعدتهم في تحويل رؤيتهم إلى واقع.
تأسيس كانفا
أُطلقت كانفا عام 2013 على يد ميلاني بيركنز وكليف أوبريخت وكاميرون آدامز في مدينة سيدني الأسترالية.
وصُممت المنصة بهدف تبسيط عملية إنشاء المحتوى البصري بصورة كبيرة.
وبدلًا من الحاجة إلى معرفة تقنية متقدمة، أصبح بإمكان المستخدمين الاعتماد على القوالب الجاهزة وأدوات التحرير السهلة لإنشاء العروض التقديمية، وتصميمات شبكات التواصل الاجتماعي، والملصقات، والمستندات، وغيرها من أشكال المحتوى البصري.
وجاء إطلاق كانفا في توقيت مناسب للغاية.
فمع النمو السريع لشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت الشركات والأفراد بحاجة متزايدة إلى إنتاج محتوى بصري عالي الجودة بصورة مستمرة.
وفي الوقت نفسه، لم يكن لدى عدد كبير من هؤلاء المستخدمين خبرة احترافية في مجال التصميم.
وقدمت كانفا حلًا مباشرًا لهذه المشكلة.
ونجحت المنصة في جذب نحو 50 ألف مستخدم خلال الشهر الأول من إطلاقها، لتبدأ بعدها رحلة نمو عالمية استثنائية.
بناء منصة عالمية للتصميم والتواصل البصري
خلال السنوات التالية، توسعت كانفا إلى ما هو أبعد بكثير من أدوات التصميم التي بدأت بها.
وأصبحت المنصة تدعم مجموعة واسعة من احتياجات التواصل البصري، بما في ذلك العروض التقديمية، والمستندات، ومحتوى شبكات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية، ومقاطع الفيديو، والمواد التسويقية، والمشروعات التعاونية داخل الشركات.
وساهم الجمع بين سهولة أدوات التصميم، والقوالب الجاهزة، وإمكانات التعاون، ونموذج الاستخدام المجاني مع الخدمات المدفوعة في تحقيق انتشار عالمي واسع للمنصة.
وبحلول عام 2025، أعلنت كانفا وصول عدد مستخدميها الشهريين إلى 260 مليون مستخدم، مع إيرادات سنوية بلغت 3.5 مليار دولار.
كما توسع استخدام المنصة من الأفراد وصناع المحتوى إلى المؤسسات الكبرى، حيث أصبحت أدواتها مستخدمة داخل عدد كبير من أكبر الشركات العالمية.
وصول قيمة كانفا إلى 42 مليار دولار
أدى النمو السريع الذي حققته كانفا إلى تحويل ميلاني بيركنز إلى واحدة من أنجح رائدات الأعمال في قطاع التكنولوجيا عالميًا.
وفي أغسطس 2025، وصلت قيمة كانفا في إحدى صفقات الأسهم الخاصة إلى نحو 42 مليار دولار، متجاوزة بذلك تقييمها السابق البالغ 40 مليار دولار في عام 2021.
ووضع هذا التقييم كانفا ضمن قائمة أعلى شركات التكنولوجيا الخاصة قيمة في العالم.
وتشير تقديرات منشورة إلى امتلاك بيركنز حصة تبلغ نحو 18 في المئة من الشركة، مع الأخذ في الاعتبار أن نسب الملكية وتقييم الشركات الخاصة يمكن أن تتغير مع مرور الوقت وعمليات الاستثمار وبيع الأسهم.
ثروة ميلاني بيركنز
أصبحت ميلاني بيركنز واحدة من أغنى رائدات الأعمال العصاميات في العالم بفضل حصتها في كانفا.
لكن تحديد قيمة ثروتها بصورة دقيقة أكثر تعقيدًا من حساب ثروات مؤسسي الشركات المدرجة في أسواق الأسهم.
ويرجع ذلك إلى أن كانفا لا تزال شركة خاصة، وبالتالي تعتمد تقديرات الثروة بدرجة كبيرة على أحدث تقييم للشركة ونسب الملكية المقدرة.
وفي عام 2026، قدرت فوربس الثروة المشتركة لميلاني بيركنز وزوجها وشريكها في تأسيس كانفا كليف أوبريخت بنحو 15.1 مليار دولار.
ومع ذلك، يجب التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها تقديرات قابلة للتغير، نظرًا لأن تقييمات الشركات الخاصة قد تشهد اختلافات كبيرة بين جولات التمويل وصفقات الأسهم.

أسلوب قيادة ميلاني بيركنز ورؤيتها طويلة المدى
تشتهر ميلاني بيركنز بقدرتها على الجمع بين الطموحات الكبيرة والتركيز الشديد على تبسيط المنتجات.
وقد تمحورت فلسفتها القيادية منذ البداية حول حل المشكلات الكبيرة، وتحويل المهام المعقدة إلى تجارب أكثر سهولة للمستخدمين.
وأكدت في أكثر من مناسبة أن رحلة كانفا ما زالت بعيدة عن الاكتمال، وأن الشركة لا تزال في مرحلة مبكرة مقارنة بالرؤية الأوسع التي تسعى إلى تحقيقها والمتمثلة في تمكين الأشخاص حول العالم من التصميم والتواصل بصريًا بسهولة.
ويرتكز نهجها على عدد من المبادئ الأساسية، من بينها:
- حل المشكلات الحقيقية والمؤثرة
- تبسيط التجارب المعقدة
- تطوير منتجات تستهدف جمهورًا عالميًا
- الاستماع إلى احتياجات المستخدمين
- التحسين المستمر
- التفكير طويل المدى
- الجمع بين نمو الأعمال والتأثير المجتمعي
وساعدت هذه الفلسفة كانفا على التوسع عالميًا مع الحفاظ على مهمتها الأساسية المتمثلة في جعل التصميم متاحًا للجميع.
الذكاء الاصطناعي والفصل الجديد في رحلة كانفا
أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أهم العناصر في استراتيجية كانفا المستقبلية.
فقد دمجت الشركة تقنيات الذكاء الاصطناعي في أدوات التواصل البصري الخاصة بها، بما يساعد المستخدمين على إنشاء وتعديل أشكال مختلفة من المحتوى الإبداعي بصورة أسرع وأكثر سهولة.
وخلال عام 2026، واصلت بيركنز قيادة توسع الشركة في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطوير أساليب أكثر تقدمًا للعمل الإبداعي.
ويعكس ذلك طموح كانفا للحفاظ على مكانتها في ظل التحولات الكبيرة التي تحدثها التقنيات التوليدية في قطاعات البرمجيات والتصميم وصناعة المحتوى.
ولم يعد التحدي أمام الشركة مقتصرًا على جعل التصميم التقليدي أكثر سهولة.
بل أصبحت الفرصة الأكبر تتمثل في التحول إلى منصة مركزية للتواصل البصري والعمل الإبداعي في عصر يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.
العمل الخيري والتخطيط للتبرع بالثروة
يُعد العمل الخيري أحد أبرز الجوانب في الخطط طويلة المدى لميلاني بيركنز وكليف أوبريخت.
فقد تعهدا بتحويل أكثر من 80 في المئة من حصتهما في كانفا إلى مؤسسة كانفا للأعمال الخيرية.
ويعكس هذا الالتزام رؤيتهما بأن تكوين الثروة الشخصية ليس الهدف النهائي من النجاح الذي حققاه في عالم ريادة الأعمال.
وبذلك، أصبح تحقيق التأثير المجتمعي جزءًا أساسيًا من رؤيتهما طويلة الأجل، إلى جانب استمرار نمو الشركة.
وفي حال تنفيذ هذا الالتزام على النطاق المخطط له، فقد يصبح من بين المبادرات الخيرية المهمة المرتبطة بالجيل الجديد من مؤسسي شركات التكنولوجيا.
أبرز الإنجازات
تشمل أبرز إنجازات ميلاني بيركنز:
- المشاركة في تأسيس فيوجن بوكس
- المشاركة في تأسيس كانفا عام 2013
- بناء واحدة من أكبر منصات التواصل البصري والتصميم عالميًا
- الوصول إلى نحو 260 مليون مستخدم شهريًا بحلول عام 2025
- المساهمة في بناء شركة وصلت قيمتها إلى نحو 42 مليار دولار
- أن تصبح واحدة من أغنى رائدات الأعمال العصاميات في العالم
- توسيع كانفا إلى مجالات التعاون المؤسسي والذكاء الاصطناعي
- التخطيط لتوجيه غالبية ثروتها المرتبطة بكانفا نحو الأعمال الخيرية
وتكتسب رحلتها أهمية إضافية لأنها استطاعت بناء شركة تكنولوجيا قادرة على المنافسة عالميًا انطلاقًا من أستراليا، بعيدًا عن المركز التقليدي لصناعة التكنولوجيا في وادي السيليكون.
الخلاصة
تمثل ميلاني بيركنز واحدة من أبرز قصص النجاح في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال الحديثة.
وبدأت رحلتها من ملاحظة بسيطة نسبيًا، وهي أن برامج التصميم كانت معقدة أكثر مما ينبغي بالنسبة لعدد كبير من المستخدمين.
وبدلًا من التعامل مع هذا التعقيد باعتباره أمرًا لا يمكن تغييره، تخيلت طريقة مختلفة تمامًا لجعل التصميم أكثر سهولة وإتاحة.
وتطورت هذه الفكرة من مشروع متخصص في تصميم الكتب السنوية للمدارس إلى كانفا، التي أصبحت شركة تكنولوجيا عالمية يستخدم منصتها مئات الملايين من الأشخاص.
كما تؤكد قصة بيركنز أهمية الإصرار في عالم ريادة الأعمال، إذ لم يمنعها الرفض المتكرر من المستثمرين من الاستمرار في تطوير فكرتها والعمل على تحويلها إلى مشروع عالمي.
واليوم، يمتد تأثير كانفا إلى ما هو أبعد من التصميم التقليدي، مع توسع الشركة في التواصل البصري، والعمل التعاوني، والإنتاجية الإبداعية، والذكاء الاصطناعي.
ومع استمرار تطور كانفا، تظل مسيرة ميلاني بيركنز نموذجًا بارزًا لكيفية تحويل مشكلة شائعة إلى فرصة عالمية، وبناء شركة ضخمة من خلال تبسيط تجربة المستخدم والحفاظ على رؤية طويلة المدى.

