لم تكن أدوات غسل الكعبة المشرفة هذا العام مجرد تجهيزات خاصة بمراسم سنوية مهيبة، بل كانت ثمرة مشروع استثنائي امتد لأكثر من 300 ساعة عمل خلال 50 يومًا، داخل معامل المعهد الملكي للفنون التقليدية “وِرث”، في تجربة جمعت بين الحرفة، والهوية، وشرف خدمة البيت العتيق.
ويعكس هذا المشروع نموذجًا متقدمًا للتكامل بين الحفاظ على الموروث الحرفي وتوظيفه في خدمة أحد أقدس المشاهد الروحانية في العالم الإسلامي، ضمن جهود مستمرة لتعزيز حضور الفنون التقليدية وربطها بالمناسبات الوطنية والدينية الكبرى.
وجرى تنفيذ المشروع بالشراكة مع الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، في تعاون يعكس توظيف الخبرات الوطنية والمهارات الحرفية لخدمة الحرمين الشريفين.
من التدريب إلى التطبيق العملي
مثّل المشروع تجربة تعليمية مميزة لطلاب معهد “وِرث”، حيث تجاوز حدود التدريب النظري إلى التطبيق الميداني المباشر.
وأتاح المشروع للطلاب فرصة المشاركة في تصنيع أدوات ترتبط بمراسم غسل الكعبة المشرفة، عبر تحويل المهارات التي اكتسبوها إلى منتجات عملية تنفذ وفق أعلى معايير الجودة والدقة.
ويعكس هذا النموذج فلسفة المعهد في ربط التعليم بالممارسة العملية، ومنح المتدربين خبرات حقيقية ذات قيمة ثقافية ووطنية.
تكامل الفنون التقليدية في صناعة الأدوات
شمل المشروع تصنيع مجموعة من الأدوات المستخدمة في مراسم غسل الكعبة، من خلال دمج عدة فنون تقليدية تشمل:
- فن المعادن
- فن الأخشاب
- التطريز اليدوي
وجاءت جميع الأعمال بتفاصيل دقيقة وجودة عالية، بما يعكس جماليات الحرف التقليدية وأصالة الصناعة المحلية.
وشارك الطالب سلطان الأسمري، المتخصص في فن المعادن، في تصميم وتنفيذ الزخارف والنقوش المستوحاة من الخطوط العربية الموجودة على كسوة الكعبة المشرفة.
كما تولى الحرفي والمدرب عبدالكريم الشهري تنفيذ مبخرة الكعبة المصنوعة من الخشب، إضافة إلى مشاركته في تصميم عربة نقل الأدوات.
وفي جانب التطريز اليدوي، نفذت الحرفية والمدربة منال بن دايل أعمال التطريز الخاصة بمنشفة غسل الكعبة، في نموذج يعكس دقة الحرفة وروح الإبداع.
تمكين الحرفيين وإحياء الموروث
يعكس هذا المشروع توجه “وِرث” نحو إشراك طلابه وحرفييه في مشاريع وطنية ذات قيمة دينية وثقافية كبيرة.
ولا يقتصر أثر هذه المبادرات على التدريب فقط، بل يمتد إلى تمكين الحرفيين، وتعزيز حضور الفنون التقليدية في المناسبات الكبرى، وترسيخ مكانتها كجزء أصيل من الهوية الثقافية.
كما يساهم المشروع في نقل الموروث الحرفي إلى تطبيقات معاصرة تحافظ على أصالته وتضمن استدامته للأجيال القادمة.
“وِرث” ودوره في حفظ الفنون التقليدية
يواصل المعهد الملكي للفنون التقليدية “وِرث” تقديم برامجه التعليمية والتخصصية داخل معامل مجهزة بأحدث الإمكانات، بما يتيح للمتدربين اكتساب خبرات عملية متقدمة.
ويُعد المعهد من أبرز الجهات الوطنية المعنية بحفظ وتوثيق الفنون التقليدية، وتطويرها، وتمكين الحرفيين، وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلم هذه الفنون وإتقانها.
وتعكس هذه الجهود حرص المملكة على حماية تراثها الثقافي، وتعزيز حضور هويتها الحضارية محليًا وعالميًا.

