رواة العلا ينقلون التراث الحي إلى منصة عالمية عبر «أنا راوٍ» لتعزيز الحوار بين الثقافات

رواة العلا ينقلون التراث الحي إلى منصة عالمية عبر «أنا راوٍ» لتعزيز الحوار بين الثقافات

تأخذ العلا تراثها من حدود المكان إلى فضاء عالمي أوسع، عبر مبادرة «أنا راوٍ: مشاركة قصص من العلا» التي تضع رواة المجتمع المحلي في قلب تجربة جديدة لإعادة تقديم التراث الحي، وتحويل القصص الشخصية والذاكرة الشفهية إلى وسيلة للحوار والتواصل بين الثقافات.

وتأتي المبادرة في إطار تعاون بين اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العلا، حيث انتقلت تجربة المعرض من العلا إلى مقر اليونسكو في باريس، وصولاً إلى الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي في بوسان، لتقدم نموذجاً يبرز أهمية إشراك المجتمعات المحلية في تفسير تراثها والحفاظ عليه.

ويقدم المعرض تجربة تتجاوز عرض القطع والمواقع التاريخية، إذ يركز على الإنسان بوصفه جزءاً أصيلاً من التراث، وعلى الرواية الشخصية باعتبارها مدخلاً لفهم المكان وذاكرته وعلاقته بالمجتمع الذي حافظ عليه عبر الأجيال.

رواة يحفظون ذاكرة العلا

تستند المبادرة إلى التاريخ العريق للعلا، التي ظلت على مدى آلاف السنين ملتقى للحضارات وفضاءً للتبادل الثقافي والتجاري والإنساني بين الشعوب.

وفي قلب هذا الإرث، يحتل الرواة المحليون مكانة خاصة، بعدما تولوا عبر أجيال مهمة نقل الشعر والأدب والحكايات والذاكرة الجماعية، وحفظ تفاصيل الحياة اليومية التي لا تسجلها الكتب وحدها.

واليوم، يتوسع دور هؤلاء الرواة ليشمل بناء جسور جديدة بين الثقافات، من خلال لقاء الزوار وأفراد المجتمع المحلي ومشاركتهم القصص والتجارب الشخصية التي تعكس علاقة سكان العلا بمكانهم وتراثهم.

ومن خلال الحوار المباشر، لا يكتفي الرواة بتقديم معلومات عن تاريخ العلا، بل يفتحون مساحة للتعرف على أنماط الحياة المحلية والقيم والتجارب الإنسانية المشتركة، بما يساعد على فهم التنوع الثقافي بعيداً عن الصور النمطية.

«المتحف الحي».. التراث بوصفه تجربة إنسانية

وتدعم اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العلا الرواة ضمن «نموذج المتحف الحي»، وهو نهج يهدف إلى تحويل المواقع التراثية إلى مساحات حية للتفاعل والحوار والتبادل الثقافي.

ويختلف هذا النموذج عن الأساليب التقليدية التي تركز على تقديم المعلومات التاريخية للزائر، إذ يمنح المجتمع المحلي دوراً مباشراً في تفسير المكان وسرد قصصه وتجربته معه.

ويعمل الرواة في هذا النموذج كميسرين للقاءات بين الزوار والسكان المحليين، بما يسمح بتبادل القصص ووجهات النظر والتجارب، ويحول زيارة الموقع التراثي إلى تجربة إنسانية قائمة على التواصل والفهم المتبادل.

وبذلك يصبح التراث أكثر من مبانٍ وآثار محفوظة؛ فهو ذاكرة حية تتجدد من خلال الأشخاص الذين يحملون قصص المكان وينقلونها إلى الأجيال الجديدة وإلى الزوار من مختلف أنحاء العالم.

من باريس إلى العلا.. «قصة بقصة»

يمثل معرض «أنا راوٍ» إحدى محطات الشراكة الأوسع بين اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العلا لتطوير نموذج جديد للتفاعل مع التراث والمجتمعات المحلية.

وبدأت مراحل تطوير النموذج في مقر اليونسكو بباريس، حيث شارك عدد من رواة العلا مع ممارسين دوليين في مجالات المتاحف والتراث، للتعرف على أساليب الحوار بين الثقافات والمشاركة في تصميم نماذج أولية للمتحف الحي.

وانتقلت التجربة بعد ذلك إلى العلا تحت الشعار المحلي «قصة بقصة»، حيث تولى الرواة دوراً محورياً في إدارة الحوار والتبادل الثقافي، مستندين إلى القصص الشخصية والتجارب اليومية لخلق تواصل مباشر بين الزائر والمجتمع المحلي.

ويمنح هذا الأسلوب الرواية الشفهية قيمة جديدة، باعتبارها أداة قادرة على نقل المعنى الإنساني للتراث وليس فقط المعلومات المرتبطة به.

معرض فوتوغرافي في باريس

وفي إطار المبادرة، استضاف مقر اليونسكو في باريس معرضاً فوتوغرافياً في الهواء الطلق خلال الفترة من 15 يونيو إلى 31 أغسطس 2026، عرض صوراً من التراث الحي في العلا، وسلط الضوء على علاقة السكان بالمكان وذاكرته.

ويعكس المعرض من خلال صوره وحكاياته الطريقة التي يواصل بها أبناء العلا إعادة تقديم تراثهم، بحيث يصبح المجتمع المحلي شريكاً في رواية تاريخ المكان، وليس مجرد متلقٍ للمعلومات المتعلقة به.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة مع وصولها إلى منصات ثقافية دولية، حيث تتيح للجمهور العالمي التعرف على العلا من خلال أصوات أهلها وتجاربهم، إلى جانب ما تمثله مواقعها التاريخية من قيمة حضارية.

نموذج يمكن تطبيقه حول العالم

لا تقتصر أهمية تجربة «أنا راوٍ» على العلا وحدها، إذ تسعى الشراكة بين اليونسكو والهيئة الملكية لمحافظة العلا إلى تطوير نموذج عملي يمكن للمؤسسات الثقافية والمتاحف ومواقع التراث حول العالم الاستفادة منه.

ويقوم النموذج على فكرة أساسية مفادها أن حماية التراث لا تنفصل عن إشراك المجتمعات التي تعيش بالقرب منه وتحمل ذاكرته، وأن الحوار المباشر يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز فهم التراث واحترام اختلاف الثقافات.

كما يمنح النموذج المؤسسات التراثية أداة قابلة للتكيف مع بيئات ثقافية مختلفة، من خلال الجمع بين المواقع التاريخية والروايات الشخصية والتفاعل المباشر مع المجتمعات المحلية.

من العلا إلى العالم

ومع انتقال تجربة «أنا راوٍ» من العلا إلى باريس ثم إلى الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي في بوسان، تنتقل معها قصص المجتمع المحلي إلى جمهور دولي أوسع.

وتقدم المبادرة رؤية معاصرة للتعامل مع التراث، تجعل الإنسان شريكاً أساسياً في تفسيره وصونه، وتمنح الحكاية الشفوية مساحة جديدة للتأثير في فهم الماضي وربطه بالحاضر.

وفي تجربة العلا، لا تُروى القصة من خارج المكان، بل تأتي من أهله؛ لتصبح كل حكاية جسراً بين جيل وآخر، وبين مكان وزائره، وبين ثقافة وأخرى.