في الوقت الذي أصبح فيه الإنترنت مصدراً سريعاً للبحث عن الأعراض والمعلومات الطبية، يحذر متخصصون من تحويل نتائج البحث والمنشورات الصحية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى بديل عن التقييم الطبي المتخصص.
ويلجأ ملايين الأشخاص حول العالم إلى الإنترنت عند الشعور بأعراض أو مخاوف صحية، سواء بهدف فهم ما يحدث أو الاستعداد لزيارة الطبيب. إلا أن المشكلة تبدأ عندما ينتقل المستخدم من البحث عن المعلومات إلى تشخيص نفسه واتخاذ قرارات علاجية بناءً عليها.
وتكمن الخطورة في أن الأعراض نفسها قد ترتبط بعدة حالات مختلفة، كما أن تقييم شدتها وسياقها وتاريخ ظهورها يحتاج إلى معرفة طبية وفحص متخصص لا توفره نتائج محركات البحث أو مقاطع الفيديو القصيرة.
الإنترنت قد يمنح شعوراً زائفاً باليقين
قد يبدأ الأمر ببحث بسيط عن عرض صحي، لكن كثرة النتائج المتشابهة يمكن أن تدفع المستخدم إلى الاعتقاد بأنه يعاني من مرض محدد، خصوصاً عندما يجد محتوى يتوافق مع مخاوفه السابقة.
ويُعرف هذا السلوك بـانحياز التأكيد، إذ يميل الشخص إلى التركيز على المعلومات التي تؤيد اعتقاده، بينما يتجاهل الاحتمالات الأخرى التي قد تكون أكثر دقة.
وفي المقابل، قد يؤدي البحث المستمر عن الأعراض إلى تضخيم المخاوف الصحية، خصوصاً عندما تكون المعلومات المتاحة غير موثوقة أو تركز على الحالات الأكثر خطورة دون توضيح مدى شيوعها.
مخاطر التشخيص الذاتي
لا تقتصر المشكلة على الوصول إلى تشخيص غير دقيق، بل قد تمتد إلى القرارات التي يتخذها الشخص بعد ذلك.
فقد يطلب المستخدم فحوصات لا يحتاج إليها، أو يتناول دواء أو مكملات دون استشارة الطبيب، أو يؤخر زيارة المختص لأنه يعتقد أن الأعراض بسيطة ويمكن علاجها بنفسه.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يؤدي التشخيص الخاطئ إلى تجاهل مرض حقيقي يحتاج إلى تدخل طبي، بينما قد يؤدي الاعتقاد بوجود مرض غير موجود إلى القلق وإجراء فحوصات وعلاجات غير ضرورية.
وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بالأدوية والمكملات العشبية، إذ يمكن لبعض المنتجات أن تتفاعل مع أدوية أخرى أو تسبب آثاراً جانبية، حتى لو كانت متاحة دون وصفة طبية.
وسائل التواصل الاجتماعي تزيد التحدي
أصبحت منصات مثل TikTok وInstagram من المصادر الشائعة للمعلومات الصحية، إلا أن سهولة إنتاج المحتوى وانتشاره لا تعني بالضرورة دقته.
وأظهرت دراسة منشورة في Canadian Journal of Psychiatry أن 52% من عينة من أكثر 100 فيديو شيوعاً حول اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) على TikTok صُنفت على أنها مضللة، مقابل 21% فقط اعتُبرت مفيدة.
كما وجدت دراسة أحدث منشورة في JMIR Infodemiology أن 50.4% من 125 مقطعاً شائعاً حول ADHD صُنفت على أنها مضللة، مع ملاحظة أن هذا النوع من المحتوى قد يشجع بعض المشاهدين على ربط سلوكيات يومية طبيعية بأنفسهم وتشخيصها باعتبارها أعراضاً للاضطراب.
وتكمن المشكلة في أن المحتوى المضلل قد يكون سهل الفهم وجذاباً ومقنعاً، وهو ما يجعله أكثر قدرة على الانتشار، حتى عندما يفتقر إلى الأساس الطبي الصحيح.
الصحة النفسية أكثر عرضة للتشخيص الذاتي
تظهر المشكلة بشكل واضح عند الحديث عن الاضطرابات النفسية، إذ قد تتشابه أعراض القلق والاكتئاب واضطرابات أخرى مع مشاعر أو تغيرات سلوكية يمر بها الأشخاص بصورة طبيعية.
وفي حالة ADHD على سبيل المثال، وجدت الدراسات أن بعض المحتوى المنتشر على منصات التواصل يربط أعراضاً عامة مثل القلق وتقلب المزاج وصعوبات العلاقات بالاضطراب وحده، رغم أن هذه الأعراض قد تظهر في حالات صحية مختلفة.
كما وجدت دراسة لتحليل محتوى مقاطع #adhdtest على TikTok أن 92% من 50 مقطعاً جرى تحليلها كانت مضللة، ما يوضح المخاطر المرتبطة بتحويل محتوى وسائل التواصل إلى أدوات تشخيص.
كيف يمكن استخدام الإنترنت بطريقة أكثر أماناً؟
لا يعني ذلك أن البحث عن المعلومات الصحية عبر الإنترنت أمر سيئ بحد ذاته. على العكس، يمكن للمصادر الموثوقة أن تساعد الأشخاص على فهم الأمراض، والتعرف إلى الأسئلة التي ينبغي طرحها على الطبيب، والاستعداد بشكل أفضل للزيارة الطبية.
لكن الاستخدام الآمن يبدأ بالفصل بين المعلومة الطبية والتشخيص.
ومن الأفضل الاعتماد على المواقع التابعة للجهات الصحية الرسمية والمستشفيات والمؤسسات الطبية والجامعات والمراجع العلمية، بدلاً من الاعتماد على منشور واحد أو مقطع قصير.
كما ينبغي عدم البدء أو إيقاف أي دواء أو علاج بناءً على نتائج البحث فقط، وعدم اعتبار الاختبارات المنتشرة على وسائل التواصل بديلاً عن التقييم الطبي.
الطبيب يظل الحلقة الأهم
مع التطور المتسارع في الوصول إلى المعلومات الصحية، أصبح من السهل معرفة المزيد عن الأعراض والأمراض خلال دقائق. لكن هذه السرعة لا تعني أن المستخدم يستطيع الوصول إلى تشخيص دقيق دون تقييم متخصص.
فالطبيب لا يعتمد على عرض واحد أو نتيجة بحث، وإنما يجمع بين التاريخ الطبي، والأعراض، والفحص السريري، والفحوصات اللازمة، والعوامل الأخرى التي قد تؤثر في الحالة قبل الوصول إلى التشخيص.
ولهذا، يمكن اعتبار الإنترنت أداة للحصول على المعرفة والاستعداد للنقاش الطبي، وليس بديلاً عن الطبيب.
وفي النهاية، قد تكون المعلومة الموجودة على الإنترنت هي الخطوة الأولى لفهم ما يحدث، لكن تحويلها إلى تشخيص أو علاج دون مختص قد يحول البحث المفيد إلى مصدر لخطر صحي حقيقي.

