أرست المملكة مكانتها بوصفها واحدة من أكثر الوجهات الرياضية نشاطاً في العالم، ويبدو أن الطموحات الاقتصادية الداعمة لهذا التحول لا تقل ضخامة.
إذ يتوقع تقرير صادر عن شركة PwC للشرق الأوسط أن يتضاعف حجم السوق الرياضية في المملكة ثلاث مرات ليبلغ 84 مليار ريال سعودي (22.4 مليار دولار) بحلول عام 2030، مع توليد ما يزيد على 39 ألف وظيفة جديدة وإضافة نحو 50 مليار ريال للناتج المحلي الإجمالي.
تعكس هذه الأرقام جهداً وطنياً ممنهجاً ومتواصلاً لبناء منظومة رياضية قادرة على المنافسة في أكثر الأسواق نضجاً على مستوى العالم. وفي قلب هذا الجهد تقف رؤية 2030، التي جعلت من القطاع الرياضي ركيزة محورية في مسيرة التنويع الاقتصادي وتحسين جودة الحياة.
من الرؤية إلى الواقع
تكشف البيانات عن مسيرة نمو استثنائية انطلقت منذ إطلاق رؤية 2030 في عام 2016، حين كانت قيمة السوق الرياضية في المملكة لا تتجاوز 5 مليارات ريال.
وبحلول أبريل 2025، أعلن مساعد وزير الاستثمار إبراهيم المبارك خلال ملتقى الاستثمار الرياضي في الرياض أن هذه القيمة ارتفعت إلى 32 مليار ريال، أي بنمو يتخطى ستة أضعاف في أقل من عقد واحد.
ويُرجع نيكولاس ماير، الشريك في شركة PwC للشرق الأوسط والمتخصص في قطاعات الرياضة والترفيه والسياحة، هذا النجاح إلى الاتساق في التنفيذ والوضوح في التوجه.
وقال: “كانت المملكة واضحة للغاية في ما تريد بناءه في قطاع الرياضة، والأهم أنها ظلت منسجمة مع هذا التوجه دون تراجع. فقد انصبّ التركيز على الحوكمة والبنية التحتية ومسارات الكفاءات الرياضية وقدرات التسليم والتنفيذ.”
تقويم رياضي يحاكي الأسواق العالمية
تتميز المملكة بتقويم رياضي متعدد الأوجه يشمل كرة القدم والملاكمة ورياضة السيارات والرياضات الإلكترونية، ويوفر هذا التنوع منصة على مدار العام تنافس أبرز الأسواق في المنطقة.
وتستعد المملكة لاستضافة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية 2029 وكأس العالم FIFA 2034، وهي فعاليات تستوجب بنية تحتية عالمية المستوى وكوادر وطنية متخصصة.
ويرى الخبراء أن الأثر الاقتصادي سيمتد إلى ما هو أبعد من حدود الملاعب.
إذ يقول ماير: “مع تكرار الفعاليات وتنامي حجمها، تصبح المهارات قابلة للانتقال، وتتطور الأعمال المحلية، وتنشأ تخصصات جديدة، مما يدعم نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة ويعمّق الكفاءات الوطنية.”
فجوة المشاركة.. فرصة بـ75 مليار دولار
كشف تقرير أوليفر وايمان عن فرصة اقتصادية لافتة تكمن في الفجوة بين استهلاك المحتوى الرياضي والمشاركة الفعلية فيه.
فرغم أن 85 بالمئة من سكان الشرق الأوسط يتابعون المحتوى الرياضي بانتظام، لا تتجاوز نسبة المشاركين الفعليين في الأنشطة البدنية 30 بالمئة. ويُمثّل هذا الفارق فرصة اقتصادية تُقدَّر بـ75 مليار دولار على مستوى المنطقة، وتحتل المملكة موقعاً متقدماً لاستثمارها.
ولمعالجة هذا الواقع، تسير مبادرات تأهيل الكوادر الوطنية وبرامج تنشيط الرياضة المجتمعية واستقطاب الخبرات الدولية جنباً إلى جنب، بهدف تحويل المتفرجين إلى مشاركين فاعلين في المنظومة الرياضية.
بناء اقتصاد رياضي مستدام
باتت المملكة تعمل على استقطاب القطاع الخاص في هذه المنظومة عبر خطوات متدرجة نحو خصخصة الملاعب والأندية الرياضية، مع التركيز على إيرادات متكررة من بيع التذاكر وحقوق البث الإعلامي وعقود الرعاية، لضمان الاستدامة التجارية بعيداً عن الاتكاء المفرط على الدعم الحكومي.
ومع كأس العالم 2034 في الأفق، لا يبدو قطاع الرياضة في المملكة مجرد واجهة استعراضية، بل محركاً اقتصادياً حقيقياً يُبنى على أسس راسخة وأهداف واضحة المعالم.
