كايسيد يدعو إلى إعلام يصنع السلام ويعزز الحوار بين المجتمعات

كايسيد يدعو إلى إعلام يصنع السلام ويعزز الحوار بين المجتمعات

أصدر مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد) ورقة سياسات بحثية جديدة بعنوان “الإعلام من أجل السلام: بناء جسور السلام عبر الحوار بين أتباع الأديان”، في خطوة تسلط الضوء على الدور المتنامي الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام في تعزيز التماسك المجتمعي وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش.

وتأتي الورقة في وقت يشهد فيه العالم تحديات متزايدة تتعلق بتصاعد الاستقطاب وخطابات الكراهية والانقسامات المجتمعية، ما يجعل دور الإعلام أكثر أهمية من أي وقت مضى في تشكيل الوعي العام والتأثير في طبيعة الخطاب المجتمعي.

وأكدت الورقة أن المؤسسات الإعلامية لم تعد مطالبة فقط بنقل الأحداث ومتابعة النزاعات، بل أصبحت أمام مسؤولية أوسع تتمثل في الإسهام الفاعل في صناعة بيئات أكثر استقرارًا وتعزيز فرص السلام عبر خطاب مهني متوازن ومسؤول.

الإعلام بين تغطية النزاعات وصناعة التفاهم

شخصت الورقة واقع المشهد الإعلامي الراهن، مشيرة إلى أن بعض السرديات الإعلامية لا تزال تسهم في تعميق الانقسامات، خصوصًا عندما يتم اختزال النزاعات السياسية أو الاجتماعية في أطر دينية ضيقة، أو حين تطغى الإثارة الإعلامية على قصص التعايش والتفاهم الإنساني.

كما حذرت من خطورة تصاعد النبرة العدائية وخطابات الكراهية، سواء الصادرة عن شخصيات عامة أو أفراد أو حتى بعض الممارسات الإعلامية غير المهنية، مؤكدة أن منصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تسريع انتشار هذا النوع من الخطاب وتعزيز تأثيره السلبي على المجتمعات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار هذه الأنماط الإعلامية قد يقوض الجهود التي بذلتها المؤسسات الدينية والمجتمع المدني على مدار عقود لتعزيز الحوار وبناء جسور التفاهم بين المجتمعات المختلفة.

وفي هذا السياق، شدد وسيم حداد، مدير برامج كايسيد في المنطقة العربية، على أن جهود بناء السلام لا يمكن أن تبقى محصورة داخل المؤتمرات أو الأوراق البحثية، بل يجب أن تصل إلى الجمهور عبر محتوى إعلامي دقيق وموضوعي يعكس الواقع ويعزز الفهم المتبادل.

وأوضح أن الصحافيين لا يجب أن يُنظر إليهم فقط كمراقبين للنزاعات، بل كشركاء مؤثرين قادرين على إعادة تشكيل الخطاب العام، وتحدي السرديات السلبية، وخلق مساحات أوسع للحوار والتعايش.

توصيات لتعزيز صحافة السلام

استندت الورقة إلى مراجعات علمية ومقابلات معمقة مع خبراء إعلام ومتخصصين في بناء السلام، وخلصت إلى ثلاثة أدوار رئيسية يمكن لوسائل الإعلام الاضطلاع بها من أجل دعم السلام المجتمعي.

يتمثل الدور الأول في تبسيط المفاهيم الدينية واللاهوتية المعقدة وتقديمها بصورة تسهم في تعزيز الفهم بدلًا من إثارة الالتباس أو الانقسام.

أما الدور الثاني فيرتكز على بناء جسور التواصل بين المجتمعات المختلفة وتقليص الفجوات الثقافية والدينية من خلال خطاب إعلامي أكثر توازنًا وشمولًا.

في حين يتمثل الدور الثالث في دعم وتسليط الضوء على أصوات صناع السلام المحليين، وإبراز المبادرات المجتمعية الناجحة التي تسهم في ترسيخ التعايش وتعزيز الاستقرار.

ولتحويل هذه المبادئ إلى واقع عملي، قدمت الورقة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية الموجهة إلى المؤسسات الإعلامية والدينية وصناع القرار، شملت تعزيز تدريب الصحافيين على أدوات الحوار بين الثقافات والأديان، وتبني منهج الصحافة المراعية للنزاعات، ورفع مستوى الثقافة الدينية داخل التغطيات الإعلامية.

كما دعت إلى تطوير أطر وتشريعات إعلامية تعزز قيم المواطنة والتعايش، وتدعم بناء خطاب إعلامي مسؤول يضع السلام والتعددية في صميم الرسالة الإعلامية.

وأكدت مايا سكر، مسؤولة برامج كايسيد في المنطقة العربية، أن الإعلام يمتلك قدرة استثنائية على إعادة تشكيل فهم المجتمعات للتنوع الثقافي والديني، مشيرة إلى أن هذه القوة ما زالت بحاجة إلى توظيف أكثر فاعلية وتنظيمًا.

وشددت على أن الورقة تمثل دعوة واضحة للصحافيين والمحررين والمؤسسات الدينية وصناع السياسات من أجل بناء شراكة جديدة تضع السلام في قلب العملية الإعلامية، وتفتح المجال أمام خطاب أكثر وعيًا وتأثيرًا في صناعة مستقبل أكثر استقرارًا وتسامحًا.