في مختبرها بمعهد والتر وإليزا هول للأبحاث الطبية في ملبورن الأسترالية، أمضت البروفيسورة كيت ساذرلاند سنوات تبحث عن ثغرة في واحد من أشد أنواع السرطان فتكًا. «نعرف منذ عقود أن سرطان الرئة صغير الخلايا بارع على نحو استثنائي في الاختباء من جهاز المناعة»، تقول ساذرلاند، مضيفة أن فريقها وجد خلية مناعية تبدو قادرة على الرؤية عبر هذا التمويه.
تلك الخلية هي الخلايا التائية من نوع «غاما دلتا»، وهي فئة من خلايا المناعة لم تحظ بالاهتمام الكافي في أبحاث هذا المرض. نشر الفريق نتائجه هذا الشهر في مجلة «كانسر سيل» العلمية المحكمة، وكان الدكتور جين نغ المؤلف الأول للبحث، بالتعاون مع معهد دوهرتي ومستشفى ملبورن الملكي وبنك فيكتوريا للسرطان.
يشكل هذا النوع نحو 10 إلى 15% من حالات سرطان الرئة، وهو سريع النمو ويرتبط بالتدخين والتعرض لغاز الرادون، ولا يتجاوز معدل البقاء على قيد الحياة بعد خمس سنوات من تشخيصه 7%. العلاج المعتاد للحالات المتقدمة يجمع بين الكيميائي والعلاج المناعي، لكن قلة نادرة من المرضى تحقق استجابة طويلة الأمد.
لماذا يفشل العلاج المناعي في أغلب الحالات؟ لأن الخلايا السرطانية تخفض على سطحها جزيئات يحتاجها نوع الخلايا التائية التقليدي كي يتعرف عليها، فتمر دون أن تكتشف. أما خلايا «غاما دلتا» فتلتقط علامات الإجهاد في الخلية المريضة، فلا تحتاج إلى تلك الجزيئات.
لاختبار ذلك، بنى الفريق أورامًا مصغرة في المختبر من عينات تبرع بها مرضى عبر بنك فيكتوريا للسرطان، يصفها الباحثون بأنها من أقرب النماذج المخبرية إلى المرض الحقيقي حتى الآن، ثم وضعوا معها خلايا «غاما دلتا» مأخوذة من دم المرضى أنفسهم. النتيجة أن هذه الخلايا تعرفت على الخلايا السرطانية وقتلتها بكفاءة عالية، ووجدها الفريق في عينات جميع المرضى الاثني عشر الذين حللت أنسجتهم، مستعينًا بتقنية تسلسل الحمض النووي الريبي للخلايا المفردة وتحليل الصفات المناعية لرسم ملامحها.
على صعيد المرضى، حلل الباحثون بيانات تجربتين سريريتين سابقتين للعلاج المناعي هما «إمباور 133» و«كاسبيان». المرضى الذين حملت أورامهم بصمة أقوى لهذه الخلايا عاشوا أطول عمومًا، واستفادوا أكثر من العلاج المناعي المضاف إلى الكيميائي، وهو ما عبرت عنه ساذرلاند بقولها إن من احتوت أورامهم على قدر أكبر من هذه الخلايا المتخصصة حققوا في الغالب نتائج علاجية أفضل. غير أن هذا ارتباط إحصائي لا يثبت وحده أن الخلايا هي سبب طول البقاء.
جرب الفريق أيضًا دواءين مستخدمين حاليًا. الأول «زوليدرونات» المعتمد لعلاج هشاشة العظام وأمراض العظام المرتبطة بالسرطان، وقد زاد عدد خلايا «غاما دلتا» وحسن قدرتها على التعرف على الورم، والثاني «تارلاتاماب» المعتمد لهذا النوع من السرطان، وقد قرب الخلايا المناعية من الخلايا السرطانية. معًا رفع الدواءان نشاط هذه الخلايا في قتل السرطان بوضوح، لكن ذلك تحقق في المختبر فقط، ولم يجرب هذا المزيج على المرضى بعد. «علاجات مثل زوليدرونات قد تقدم وسيلة لتعزيز خلاياهم المناعية المقاومة للسرطان»، بهذه العبارة وصف نغ ما قد يعنيه ذلك لمن لديهم مستويات أقل من هذه الخلايا.
يعمل الفريق مع معهد دوهرتي على تحويل النتائج إلى فئة جديدة من أدوية العلاج المناعي، ويدرس علاجات تكثر خلايا المريض خارج جسمه ثم تعيدها إليه، مع الحاجة إلى دراسات أوسع على عينات أكثر ونماذج حيوانية لتحديد المرضى الذين قد يستفيدون ومعرفة ما إذا كان البقاء سيتحسن فعلًا. ويذكر الباحثون أن علاجات تكثر خلايا «غاما دلتا» ثم تعيد حقنها موجودة بالفعل. مولت البحث جهات منها مجلس سرطان فيكتوريا والمجلس الوطني للصحة والبحوث الطبية في أستراليا ومؤسسة كاس والرابطة الدولية لدراسة سرطان الرئة.

