يتجه قطاع التقنية الحيوية في المملكة نحو مرحلة أكثر تقدمًا، مع تصاعد الاهتمام ببناء قدرات محلية في العلاجات الجينية والخلوية وتقنيات تعديل الجينات، وهي مجالات لم تعد تقتصر على البحث العلمي، بل أصبحت جزءًا من التوجه العالمي لتطوير الطب الدقيق وعلاجات الأمراض الوراثية والنادرة وبعض أنواع السرطان واضطرابات الدم والمناعة.
وتبرز أهمية إنشاء معامل متخصصة في التعديل الجيني والخلايا الجذعية داخل المملكة باعتبارها خطوة يمكن أن تتجاوز توفير خدمات علاجية متقدمة إلى بناء منظومة صناعية وبحثية متكاملة تمتلك القدرة على التطوير والتصنيع وإجراء التجارب السريرية، وتقليل الحاجة إلى إرسال المرضى أو العينات إلى الخارج.
وتنسجم هذه الرؤية مع الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية التي أطلقتها المملكة بهدف تحويلها إلى مركز عالمي للتقنية الحيوية بحلول عام 2040، مع التركيز على توطين اللقاحات والتصنيع الحيوي للأدوية وأبحاث الجينوم والعلاج الجيني، إلى جانب بناء القدرات الوطنية في هذا القطاع.
من العلاج المستورد إلى امتلاك منظومة العلاج المتقدم
أوضحت استشارية الوراثة الطبية وعضو الجمعية السعودية للطب الوراثي الدكتورة مريم العيسى أن الاستثمار في معامل متخصصة بالتعديل الجيني والخلايا الجذعية يمكن أن يقلل الاعتماد على الخدمات العلاجية والتصنيعية الخارجية، ويدعم تأسيس صناعة وطنية للعلاجات الجينية والخلوية المتقدمة.
وتزداد أهمية هذا التوجه بالنظر إلى الطبيعة المعقدة لهذه العلاجات، التي تتطلب عمليات تصنيع دقيقة، ونقلًا متخصصًا للعينات، وسلاسل إمداد حساسة، فضلًا عن متطلبات تنظيمية وجودة عالية.
وفي بعض الحالات، قد يؤدي غياب القدرة التصنيعية المحلية إلى اضطرار المرضى أو العينات إلى الانتقال إلى مراكز متخصصة خارج المملكة، وهو ما يضيف أعباء مالية ولوجستية ويطيل بعض مراحل رحلة العلاج.
أما بناء القدرات المحلية، فيمكن أن يختصر جزءًا من هذه السلسلة ويتيح تقديم مزيد من الخدمات داخل المملكة، مع الاحتفاظ بجزء أكبر من الإنفاق الصحي والاستثماري داخل الاقتصاد الوطني.
ما المقصود بالعلاجات الجينية والخلوية؟
تندرج العلاجات الجينية والخلوية ضمن ما يعرف بالعلاجات الطبية المتقدمة، وهي تقنيات تختلف جذريًا عن الأدوية التقليدية.
وتوضح الهيئة العامة للغذاء والدواء أن المنتجات العلاجية المتقدمة تشمل، ضمن تصنيفاتها، منتجات العلاج الجيني والمنتجات القائمة على الخلايا، نظرًا لطبيعتها العلمية والتنظيمية المعقدة وتطورها السريع.
ويستهدف العلاج الجيني، بصورة عامة، تعديل أو إصلاح أو استبدال أو إضافة تسلسل جيني بهدف تحقيق تأثير علاجي، بينما تعتمد بعض العلاجات الخلوية على استخدام خلايا حية بوصفها جزءًا من التدخل العلاجي.
ومن أبرز الأمثلة العالمية والمحلية المتنامية في هذا المجال علاجات CAR-T التي تستخدم خلايا مناعية معدلة وراثيًا لمهاجمة خلايا سرطانية معينة، إضافة إلى علاجات تستهدف اضطرابات وراثية محددة.
وقد أقرت الهيئة السعودية للغذاء والدواء بالفعل تجارب سريرية لعلاجات جينية، من بينها دراسة من المرحلة الأولى لعلاج سرطان الدم الليمفاوي الحاد باستخدام خلايا CAR-T جرى تطويرها في المملكة بالتعاون مع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث.
التصنيع وفق معايير GMP.. الحلقة الأساسية في المنظومة
إنشاء المختبر وحده لا يكفي لتحويل الأبحاث الجينية إلى علاجات قابلة للاستخدام السريري.
فالعلاجات المتقدمة تحتاج إلى منشآت تصنيع تعمل وفق معايير صارمة، وفي مقدمتها ممارسات التصنيع الجيد GMP، التي تضمن التحكم في العمليات وجودة المواد والمنتج النهائي وإمكانية تتبع مراحل التصنيع.
وقد بدأت المملكة بالفعل في بناء هذه القدرات؛ إذ أطلق مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث منشأة لتصنيع العلاجات الجينية والخلوية في الرياض، تعمل وفق معايير GMP، وتستهدف إنتاج علاجات مناعية وخلوية متقدمة، مع خطط للتوسع مستقبلًا في تقنيات تحرير الجينات وغيرها من التطبيقات.
وتكشف هذه الخطوة أن النقاش حول توطين العلاج الجيني لم يعد نظريًا، وإنما بدأ يتحول إلى بنية تحتية فعلية تشمل التصنيع والبحث والتطوير والتطبيق السريري.
توطين المعرفة أهم من توطين الأجهزة
من أكبر التحديات في بناء صناعة حيوية متقدمة أن شراء المعدات لا يعني امتلاك التكنولوجيا.
فالتوطين الحقيقي يحتاج إلى نقل المعرفة والخبرة، وتكوين فرق وطنية قادرة على تشغيل المنظومة وتطويرها، بدءًا من الهندسة الوراثية وزراعة الخلايا، مرورًا بالتصنيع الحيوي وضبط الجودة، وصولًا إلى المعلوماتية الحيوية والتجارب السريرية والشؤون التنظيمية.
وهذا يفتح الباب أمام وظائف نوعية في مجالات علمية وهندسية وطبية متخصصة، بدلًا من الاقتصار على وظائف التشغيل التقليدية.
وتستهدف الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية أكثر من 11 ألف وظيفة متخصصة بحلول 2030، على أن يرتفع العدد إلى 55 ألف وظيفة بحلول 2040، في إطار توجه أوسع لبناء رأس مال بشري قادر على قيادة القطاع.
البيانات الجينية المحلية.. أساس الطب الدقيق
يمثل امتلاك قاعدة معرفية حول الخصائص الجينية للسكان المحليين عنصرًا مهمًا في تطوير الطب الدقيق.
فكلما أصبحت البيانات الجينومية أكثر عمقًا وتنظيمًا، أصبح من الممكن فهم العلاقة بين بعض الطفرات الجينية والأمراض، وتحديد المرضى الذين قد يستفيدون من تدخلات علاجية محددة.
وهذا مهم بصورة خاصة في الأمراض الوراثية والنادرة، وبعض أمراض الدم والمناعة والأورام، حيث يمكن أن يؤدي فهم التركيبة الجينية إلى تحسين التشخيص وتوجيه خيارات العلاج.
وتؤكد وزارة الصحة أن التقنية الحيوية تفتح المجال أمام علاجات شخصية تستند إلى البصمة الجينية للفرد، وأن أبحاث الجينوم والعلاج الجيني تمثل أحد المحاور الأساسية في الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية.
من التشخيص إلى العلاج.. بناء سلسلة متكاملة
القيمة الحقيقية لا تظهر عندما يعمل كل قطاع بصورة منفصلة.
فالمنظومة الأكثر فاعلية هي التي تربط بين:
التشخيص الجيني → تحليل البيانات → اكتشاف الطفرة أو الهدف العلاجي → تطوير العلاج → التصنيع → التجارب السريرية → الاعتماد التنظيمي → التطبيق الطبي → متابعة السلامة والفعالية.
وهذا النوع من التكامل يمكن أن يحول المملكة من سوق تستقبل المنتجات العلاجية المتقدمة إلى بيئة تشارك في اكتشافها وتطويرها وتصنيعها.
وتولي الهيئة العامة للغذاء والدواء أهمية متزايدة لهذا الجانب؛ فقد أصدرت إرشادات تنظيمية خاصة بالعلاجات المتقدمة والعلاج الجيني، كما وضعت متطلبات تتعلق بالمعلومات الكيميائية والتصنيعية والرقابية اللازمة لتقديم طلبات التجارب السريرية للعلاجات الجينية البشرية.
السلامة والمتابعة.. تحدٍ لا يقل أهمية عن التصنيع
تتميز العلاجات الجينية والخلوية بإمكاناتها الكبيرة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى مستويات عالية من الرقابة والمتابعة بسبب تعقيدها وحداثة كثير من تقنياتها.
وتشير الهيئة العامة للغذاء والدواء إلى أن الخبرة العالمية في بعض العلاجات المتقدمة ما زالت محدودة، وأن المعلومات المتعلقة بالسلامة والفعالية طويلة المدى قد تكون غير مكتملة عند تسجيل بعض المنتجات، ولذلك تحتاج هذه العلاجات إلى أنظمة متخصصة لمراقبة السلامة والفعالية وإدارة المخاطر.
ومن هنا تصبح البنية التنظيمية جزءًا أساسيًا من صناعة العلاجات المتقدمة، وليست مرحلة لاحقة تأتي بعد تطوير المنتج.
فرصة لنمو شركات التقنية الحيوية
لا تقتصر آثار توطين هذا القطاع على المستشفيات ومراكز الأبحاث.
فوجود بنية تحتية متقدمة يمكن أن يشجع على تأسيس شركات ناشئة تعمل في مجالات التشخيص الجيني، والعلاجات التجديدية، والتصنيع الحيوي، وتحليل البيانات، وتطوير التقنيات العلاجية.
وقد أطلقت وزارة الصحة في 2025 مسرعة متخصصة لشركات التقنية الحيوية بالتعاون مع BioLabs، وضمت الدفعة الأولى ثماني شركات سعودية تعمل في مجالات متنوعة، من بينها التشخيص الجيني والعلاجات التجديدية والأمراض الوراثية واللقاحات.
وتوفر مثل هذه المبادرات حلقة وصل بين الأبحاث الأكاديمية والشركات الناشئة والمستشفيات والمستثمرين، وهي حلقة ضرورية لتحويل المعرفة العلمية إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع.
جذب الاستثمارات والتجارب السريرية
يمكن لمنظومة محلية قوية في العلاج الجيني والخلايا أن تجعل المملكة أكثر جاذبية للشركات العالمية الراغبة في تطوير علاجات جديدة أو إجراء تجارب سريرية في المنطقة.
وقد ارتبط التوسع في التجارب السريرية داخل المملكة بجهود تنظيمية وبحثية متزايدة، فيما تشير الهيئة العامة للغذاء والدواء إلى نمو ملحوظ في أبحاث العلاج الجيني والخلوي منذ 2020، مع اعتماد عدد من التجارب في هذا المجال.
وفي 2026، شهدت مشاركة المملكة في مؤتمر BIO العالمي إطلاق مبادرة Launch in Saudi لتسريع إتاحة الابتكارات الصحية والعلاجات النوعية، إلى جانب شراكات بين شركات سعودية ودولية في مجالات الابتكار الدوائي والتقنية الحيوية.
وهذا يعزز احتمالية تحول المملكة إلى نقطة جذب إقليمية للأبحاث والاستثمارات المرتبطة بعلوم الحياة.
من الأمن الدوائي إلى السيادة الصحية
أحد الأبعاد الاستراتيجية الأوسع لهذا التوجه هو تقليل الاعتماد على الخارج في التقنيات الصحية الحيوية.
فالأمن الدوائي لم يعد مرتبطًا فقط بتوفير الأدوية التقليدية، وإنما يمتد إلى القدرة على الوصول إلى التقنيات الحيوية الحديثة، وتطويرها وتصنيعها محليًا عند الحاجة.
وفي هذا السياق، تضع المملكة التقنية الحيوية ضمن مسار مرتبط بالسيادة الصحية والأمن الدوائي، مع توجه لبناء قدرات محلية في اللقاحات والتصنيع الحيوي والجينوم والعلاج الجيني.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن التعاون الدولي؛ بل على العكس، فإن نقل المعرفة والشراكات الدولية والتجارب المشتركة يمكن أن تكون أدوات أساسية لتسريع بناء القدرات المحلية.
ماذا يعني ذلك للمريض؟
بالنسبة للمريض، فإن نجاح هذه المنظومة يمكن أن ينعكس في أكثر من اتجاه.
فقد يعني مستقبلًا تقليل الحاجة إلى السفر للحصول على بعض العلاجات المتقدمة، وتقليل الوقت المرتبط بنقل العينات أو التنسيق مع مراكز خارجية، وتوفير خيارات علاجية أكثر ارتباطًا بالخصائص الجينية للمريض.
لكن هذه النتائج لا تتحقق بمجرد إنشاء معامل؛ فهي تحتاج إلى منظومة متكاملة من التشخيص والبحث والتصنيع والتنظيم والتمويل والتأهيل الطبي، إضافة إلى أدلة سريرية قوية تثبت سلامة وفعالية كل علاج قبل استخدامه على نطاق واسع.
المملكة أمام مرحلة جديدة في علوم الحياة
تكشف التحركات المتسارعة في الجينوم والعلاج الجيني والتصنيع الحيوي أن المملكة لا تتعامل مع التقنية الحيوية باعتبارها قطاعًا بحثيًا محدودًا، بل باعتبارها أحد المجالات التي يمكن أن تجمع بين الصحة والاقتصاد والبحث العلمي والاستثمار والصناعة.
ومع وجود منشآت تصنيع متخصصة، وإرشادات تنظيمية متقدمة، وتجارب سريرية في العلاج الجيني، ومسرعات للشركات الناشئة، واستراتيجية وطنية تستهدف بناء قطاع حيوي متكامل، تتشكل تدريجيًا اللبنات الأساسية لمنظومة جديدة في علوم الحياة.
والمرحلة المقبلة لن تكون فقط في قدرة المملكة على استخدام العلاجات المتقدمة، وإنما في قدرتها على امتلاك المعرفة وتطوير التقنيات وتصنيع العلاجات وخلق شركات وكفاءات قادرة على المنافسة عالميًا.
وهنا تكمن القيمة الأوسع لتوطين معامل التعديل الجيني والخلايا الجذعية: ليس باعتبارها منشآت طبية متقدمة فحسب، وإنما كبنية تحتية يمكن أن تشكل أساسًا لصناعة سعودية جديدة في العلاجات المتقدمة وعلوم الحياة.

