ظل النيكوتين لعقود مرتبطًا في أذهان الناس بالسجائر والإدمان والمخاطر الصحية. لكن هذه الصورة بدأت تتغير داخل بعض دوائر الصحة والعافية على الإنترنت، حيث يُعاد تقديم المادة نفسها هذه المرة باعتبارها أداة محتملة لتحسين التركيز والأداء الذهني، بل وحتى كجزء من أسلوب حياة يهتم بطول العمر.
لم يعد الحديث يدور فقط حول السجائر. فهناك أكياس النيكوتين واللصقات والعلكة وأقراص الاستحلاب، وهي منتجات أصبحت تظهر في محتوى بعض مؤثري الصحة والـ«Biohacking» إلى جانب المكملات الغذائية وأجهزة تتبع النوم وغيرها من الأدوات المرتبطة بتحسين الأداء.
وبدلًا من التركيز على خطر الاعتماد على النيكوتين، يدور جانب كبير من هذا المحتوى حول كلمات مثل التركيز والإنتاجية وصحة الدماغ وطول العمر.
لكن السؤال الأهم يبقى: إلى أي مدى تدعم الأدلة العلمية هذه الصورة الجديدة للنيكوتين؟
من مادة مرتبطة بالتدخين إلى «Biohack»
يعد رائد الأعمال والناشط في مجال الـBiohacking ديف أسبري من أبرز الشخصيات التي تحدثت علنًا عن استخدام النيكوتين، وقدم آراء واسعة بشأن فوائده المحتملة للأداء الذهني والصحة.
وليس أسبري وحده.
فقد تحدثت مدربة اللياقة البدنية الشهيرة جيليان مايكلز عن استخدامها جرعات منخفضة من النيكوتين، وربطت اهتمامها به باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إلى جانب مخاوف مرتبطة بأمراض عصبية مثل باركنسون وألزهايمر.
كما تحدث الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون بحماس عن أكياس النيكوتين، في الوقت الذي يمتلك فيه مصلحة تجارية في هذا السوق من خلال علامة تجارية لأكياس النيكوتين.
أما أسبري، فسبق أن استثمر في شركة Lucy المتخصصة في منتجات النيكوتين، كما عمل سابقًا مستشارًا لشركة Philip Morris.
وجود مصالح تجارية لا يعني تلقائيًا أن كل ما يقوله هؤلاء عن النيكوتين غير صحيح، لكنه يجعل الإفصاح عنها مهمًا عند تقييم النصائح الصحية التي يقدمونها للجمهور.
هناك جزء حقيقي من العلم وراء الضجة
المناقشة العلمية حول النيكوتين أكثر تعقيدًا من مجرد اعتباره مرادفًا للتدخين.
فالنيكوتين مادة منبهة تؤثر في مستقبلات داخل الدماغ، ويمكن أن تؤدي إلى تأثيرات مؤقتة على الانتباه واليقظة والتركيز.
وفي الوقت نفسه، من الضروري التمييز بين النيكوتين نفسه وبين دخان التبغ بما يحتوي عليه من مواد سامة ومسرطنة ناتجة عن الاحتراق.
النيكوتين مسؤول بدرجة كبيرة عن الطبيعة الإدمانية لمنتجات التبغ، لكنه ليس المادة الرئيسية المسؤولة عن السرطان الناتج عن تدخين السجائر.
وهذا الاختلاف كان أحد الأسباب التي دفعت البعض إلى القول إن النيكوتين، عند فصله عن التبغ المحترق، يستحق أن يُدرس بصورة مستقلة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول نتائج الأبحاث الأولية إلى وعود صحية مؤكدة على منصات التواصل الاجتماعي.
ماذا عن باركنسون وألزهايمر؟
من أكثر النقاط التي يستخدمها المدافعون عن النيكوتين وجود دراسات رصدية وجدت ارتباطًا بين التدخين وانخفاض معدلات الإصابة بمرض باركنسون لدى بعض الفئات.
وقد دفع هذا الارتباط الباحثين بالفعل إلى دراسة ما إذا كان للنيكوتين أو لعوامل أخرى دور في هذه الظاهرة.
لكن وجود ارتباط إحصائي لا يعني إثبات علاقة سببية.
بمعنى آخر، لا يمكن استنتاج أن تناول النيكوتين يمنع الإصابة بباركنسون لمجرد وجود معدلات أقل للمرض في بعض مجموعات المدخنين.
والأمر نفسه ينطبق على الادعاءات المتعلقة بألزهايمر أو حماية الدماغ على المدى الطويل.
وجود أبحاث علمية تستكشف احتمالًا معينًا يختلف جذريًا عن وجود دليل طبي كافٍ للتوصية بأن يبدأ الأشخاص الأصحاء باستخدام النيكوتين للوقاية من الأمراض.
هل النيكوتين يجعلك أكثر ذكاءً وتركيزًا؟
هذه ربما تكون أكثر الرسائل جاذبية في المحتوى الذي يروج للنيكوتين باعتباره أداة لتحسين الأداء.
وقد يشعر المستخدم بالفعل بزيادة في اليقظة أو التركيز بعد تناول النيكوتين، نظرًا لتأثيره المنبه.
لكن الصورة تصبح مختلفة مع الاستخدام المنتظم.
عندما يعتاد الجسم على النيكوتين، يمكن أن تبدأ أعراض الانسحاب عند انخفاض مستواه، ومن بينها صعوبة التركيز والعصبية والرغبة الملحة في الحصول على جرعة جديدة.
وعندما يتناول الشخص النيكوتين مرة أخرى، تتراجع بعض هذه الأعراض.
هنا قد يشعر المستخدم بأنه أصبح أكثر تركيزًا بعد الجرعة، بينما يكون جزء مما حدث في الواقع هو تخفيف أعراض الانسحاب والعودة نحو مستوى الأداء الطبيعي.
وهذا فرق مهم لا يظهر دائمًا في مقاطع الفيديو القصيرة التي تقدم النيكوتين باعتباره وسيلة سريعة لزيادة الإنتاجية.
مشكلة الإدمان لم تختفِ
الانتقال من السجائر إلى منتجات لا تعتمد على الاحتراق يمكن أن يقلل التعرض للعديد من المواد الخطرة الموجودة في دخان السجائر.
لكن ذلك لا يجعل النيكوتين مادة خالية من المخاطر.
فالنيكوتين شديد القابلية لإحداث الاعتماد والإدمان، كما يمكن أن يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب وضغط الدم، وله تأثيرات على الجهاز القلبي الوعائي يجب أخذها في الاعتبار عند تقييم مخاطره وفوائده المحتملة.
وتزداد المخاوف عندما يتعلق الأمر بالمراهقين والشباب الذين لا تزال أدمغتهم في مراحل النمو.
ولهذا يوجد فارق أساسي بين شخص مدخن ينتقل إلى منتج نيكوتين غير قابل للاحتراق بهدف تقليل أضرار التدخين، وبين شخص لم يستخدم النيكوتين من قبل ويبدأ في تناوله يوميًا لأنه شاهد محتوى يقدمه باعتباره وسيلة لتحسين التركيز.
الحالتان ليستا متساويتين من الناحية الصحية.
لماذا أصبح النيكوتين جذابًا لثقافة العافية الجديدة؟
القصة لا تتعلق بالنيكوتين وحده، بل بطريقة تغير الخطاب الصحي على الإنترنت.
جزء من صناعة العافية الحديثة يقوم على التشكيك في النصائح الصحية التقليدية والمؤسسات الطبية وشركات الأدوية والجهات التنظيمية.
ويظهر هذا الاتجاه بوضوح داخل بعض الدوائر المرتبطة بحركة Make America Healthy Again (MAHA)، حيث تحظى المنتجات والممارسات التي يُقال إن الطب التقليدي «أساء فهمها» أو «شيطنها» باهتمام كبير.
والنيكوتين يناسب هذه الرواية بسهولة.
فالرسالة تبدو مقنعة: ربما كان الناس يخلطون طوال الوقت بين أضرار النيكوتين وأضرار تدخين السجائر، وربما تجاهلت المؤسسات الطبية بعض فوائده المحتملة.
وهناك قدر كافٍ من التعقيد العلمي لجعل النقاش مشروعًا بالفعل.
لكن الخط الفاصل يتم تجاوزه عندما تتحول الاحتمالات العلمية إلى حقائق مؤكدة، والدراسات الرصدية إلى دليل على الوقاية من الأمراض، والتأثير المنبه قصير المدى إلى وعد بتحسين الدماغ على المدى الطويل.
المصالح التجارية تجعل الصورة أكثر تعقيدًا
تزداد القضية حساسية عندما يكون بعض الأشخاص الذين يروجون لاستخدام النيكوتين مرتبطين تجاريًا بمنتجات تحتوي عليه.
وجود مصلحة مالية لا يعني أن الادعاء خاطئ بالضرورة، لكنه يمثل معلومة مهمة يجب أن يعرفها الجمهور قبل اتخاذ قرار بناءً على نصيحة المؤثر.
فصناعة العافية الرقمية أصبحت تجمع بين التجارب الشخصية والتشكيك في المؤسسات والتجارة المباشرة مع الجمهور.
يمكن للمؤثر أن ينتقد النصائح الطبية التقليدية، ويقدم بديلًا، ويروي تجربته الشخصية معه، ثم يوجه الجمهور إلى منتج مرتبط به تجاريًا.
وفي هذه الحالة يصبح الفصل بين المعلومة الصحية والتسويق أكثر صعوبة.
النيكوتين ليس تدخينًا.. لكنه ليس مكملًا غذائيًا أيضًا
هناك نقاش علمي مشروع حول النيكوتين وتأثيراته العصبية، ولا تزال الأبحاث مستمرة لفهمها بصورة أفضل.
كما أن منتجات النيكوتين غير القابلة للاحتراق يمكن أن تلعب دورًا في استراتيجيات تقليل الضرر بالنسبة لبعض الأشخاص الذين يدخنون بالفعل.
لكن أيًا من هاتين النقطتين لا يعني أن النيكوتين أصبح مكملًا صحيًا آمنًا ينبغي للأشخاص الذين لم يستخدموه سابقًا إضافته إلى روتينهم اليومي.
وهنا تكمن المشكلة في «الصورة الجديدة» التي يحصل عليها النيكوتين على منصات التواصل الاجتماعي.
قد يأتي الآن في عبوات أكثر أناقة، ويمكن استخدامه في أكياس صغيرة بدلًا من السجائر، وقد يُناقش في برامج الصحة والـBiohacking بدلًا من إعلانات التبغ التقليدية.
لكن إحدى أهم خصائصه لم تتغير:
النيكوتين مادة يمكن أن تؤدي إلى الاعتماد والإدمان.
وتغيير طريقة تقديمه أو وصفه بأنه «Biohack» لا يلغي هذه الحقيقة.

