المملكة تحول حماية الحياة الفطرية إلى تجارب طبيعية مستدامة منخفضة الأثر

المملكة تحول حماية الحياة الفطرية إلى تجارب طبيعية مستدامة منخفضة الأثر

تتجه المملكة إلى إعادة تعريف العلاقة بين السياحة والطبيعة من خلال تطوير تجارب جديدة تتيح للزوار اكتشاف التنوع الحيوي في البيئات البرية والبحرية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سلامة الكائنات الحية والموائل الطبيعية. ويأتي ذلك عبر برنامج «وجهات الحياة الفطرية» الذي يطوره المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، بهدف تحويل جهود حماية الأنواع وإعادة تأهيل البيئات الطبيعية إلى تجارب تعليمية وترفيهية منظمة تدعم الوعي البيئي وجودة الحياة والاقتصاد المحلي.

«وجهات الحياة الفطرية».. السياحة تبدأ من حماية الطبيعة

أُعلن برنامج «وجهات الحياة الفطرية» في يونيو، ويعمل على بناء شبكة وطنية من الوجهات التي تمنح الزوار فرصًا للتعرف إلى الحياة الفطرية من خلال أنشطة متنوعة تشمل رحلات السفاري، ومراقبة الطيور، وزيارة المحميات، إلى جانب تجارب بحرية موسمية ترتبط بحركة الأنواع ودوراتها الطبيعية.

وتنطلق الفكرة من مبدأ أساسي يتمثل في أن السياحة البيئية لا ينبغي أن تكون على حساب الطبيعة، بل يمكن أن تصبح وسيلة لتعريف المجتمع والزوار بقيمة التنوع الحيوي وتحويل المحافظة عليه إلى جزء من التجربة السياحية نفسها.

وبحسب المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، فإن البرنامج يمثل امتدادًا لجهود حماية الأنواع وإعادة تأهيل الموائل وتعزيز المعرفة العلمية، مع نقل أثر هذه الجهود إلى تجارب ميدانية تساعد على رفع الوعي وتطوير فرص اقتصادية واستثمارية مرتبطة بالحياة الفطرية.

أكثر من 65 نظامًا بيئيًا و12 ألف نوع من الكائنات

تمتلك المملكة تنوعًا طبيعيًا واسعًا يمتد من السواحل والجزر إلى الجبال والأودية والصحارى، وتضم أكثر من 65 نظامًا بيئيًا ونحو 12 ألف نوع من الكائنات الحية.

ويمنح هذا التنوع البرنامج مساحة واسعة لتطوير تجارب مختلفة بحسب طبيعة كل منطقة، بدلًا من تطبيق نموذج سياحي واحد على جميع الوجهات.

فما يصلح للبيئة الجبلية في الطائف قد لا يكون مناسبًا للبيئة الصحراوية في ثادق، كما أن التجارب البحرية تحتاج إلى مراعاة مواسم وجود الأنواع وحركتها الطبيعية.

وهذا الاختلاف يمثل أحد العناصر الأساسية في فلسفة البرنامج، إذ يجري تصميم كل وجهة بما يتناسب مع هويتها البيئية وقدرتها الاستيعابية وحساسية موائلها.

سفاري الطائف وثادق.. تجارب مختلفة بحسب البيئة

من بين الوجهات التي أعلن عنها البرنامج، تجارب السفاري في مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية شرق الطائف، إلى جانب مركز ثادق لأبحاث الحياة الفطرية في منطقة الرياض.

وتستفيد تجربة الطائف من طبيعة المنطقة الجبلية والأنظمة البيئية المرتفعة، مع دمج عناصر مرتبطة بالهوية المحلية، مثل الورد الطائفي والمنتجات الزراعية الموسمية والعسل والحرف التقليدية.

أما ثادق، فتتجه التجربة فيها إلى إبراز البيئة الصحراوية من خلال مسارات منخفضة الأثر ومرافق تساعد الزائر على التعرف إلى الأنواع البرية التي تنتمي إلى المنطقة، دون الإخلال بطبيعة الموقع.

ويعكس هذا النهج توجهًا نحو جعل السياحة البيئية مرتبطة بالمكان نفسه، وليس مجرد نشاط منفصل عن البيئة والثقافة المحلية.

مراقبة الطيور واكتشاف الأنواع البرية

لا تقتصر الوجهات المقترحة على السفاري، إذ تشمل شبكة البرنامج مواقع مخصصة لمراقبة الطيور، من بينها محمية جزر فرسان ومواقع أخرى في الرياض.

كما تتيح بعض المناطق تجارب لمشاهدة أنواع برية مميزة، مثل الحبارى والمها العربي في محمية الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد الملكية، في حين يمكن مشاهدة غزال الريم في محمية عروق بني معارض ومنتزه الغاط الوطني.

وتوفر هذه التجارب فرصة للتعرف إلى الأنواع المحلية في بيئاتها الطبيعية بدلًا من عرضها في أماكن مغلقة، مع الالتزام بالضوابط التي تضمن عدم إزعاج الحيوانات أو التأثير في سلوكها الطبيعي.

البحر الأحمر يفتح الباب أمام تجارب موسمية

يمتد البرنامج أيضًا إلى البيئة البحرية، حيث ترتبط بعض التجارب بالمواسم الطبيعية لحركة الكائنات البحرية.

وفي محيط جزر فرسان، يمكن للزوار فرصة مشاهدة حيتان برايد وغيرها من الكائنات البحرية، بينما تتيح محمية الثقوب الزرقاء فرصًا لمشاهدة الدلافين، وتضم محمية رأس حطيبة تجارب محتملة لمشاهدة أسماك قرش الحوت.

ولا يعني إدراج هذه الأنواع أن مشاهدتها مضمونة في كل زيارة، إذ تعتمد التجارب على وجود الكائنات وحركتها الطبيعية والمواسم والظروف البيئية.

وهنا تظهر أهمية النموذج الذي تتبناه المملكة، حيث لا يتم التعامل مع الحياة الفطرية باعتبارها عنصرًا سياحيًا ثابتًا، وإنما باعتبارها منظومة طبيعية يجب احترام دوراتها وسلوكها.

«الحفظ أولًا».. الأساس الذي يحكم التجارب

يؤكد البرنامج أن حماية الحياة الفطرية والموائل تأتي قبل أي اعتبار سياحي أو تشغيلي.

ولهذا تخضع الأنواع التي يمكن مشاهدتها في كل وجهة لعدد من الاعتبارات، من بينها ملاءمة الموطن، وحالة النوع، ومتطلبات الرفق بالحيوان، والجاهزية التشغيلية.

كما يجري تقييم المواقع المحتملة وفق قيمتها البيئية وسلامة موائلها وقدرتها الاستيعابية والجاهزية الفنية والتشغيلية، إلى جانب نتائج الدراسات البيئية.

وتعني هذه المعايير أن التوسع في عدد الوجهات لن يكون هدفًا قائمًا بذاته، بل سيجري بصورة تدريجية ومدروسة كلما اكتملت الدراسات والموافقات اللازمة.

تقسيم المناطق لحماية الموائل الحساسة

تتضمن الخطة تقسيم الوجهات إلى مناطق عامة، ومناطق ذات دخول منظم، وأخرى مخصصة للعمليات والحماية والأبحاث العلمية.

كما ستوضع مرافق الضيافة والخدمات على أطراف المواقع بعيدًا عن المناطق الحساسة، ومواقع التكاثر والأبحاث والرعاية البيطرية.

ويشمل تنظيم الزيارة تحديد أعداد الزوار وأوقات الدخول، وإنشاء مسارات ونقاط توقف ومشاهدة محددة، واستخدام وسائل نقل منخفضة الأثر، إلى جانب التحكم في مستويات الضوضاء والإضاءة.

أما رحلات السفاري، فستعمل من خلال مركبات وسائقين ومرشدين معتمدين، وعلى مسارات محددة مسبقًا.

التكنولوجيا والمراقبة لحماية الحياة الفطرية

لن تتوقف الإدارة البيئية عند تحديد مسارات الزوار، إذ تتضمن العمليات إجراءات للسلامة الحيوية وإدارة النفايات والاستجابة البيطرية والطوارئ.

كما ستتم مراقبة حالة الموائل وسلوك الحيوانات بصورة مستمرة، بما يسمح بتعديل الأنشطة عند ظهور مؤشرات بيئية تستدعي ذلك.

وهذا النموذج يجعل البيانات والمراقبة جزءًا من عملية اتخاذ القرار؛ فإذا أظهرت المؤشرات أن نشاطًا معينًا يؤثر في منطقة حساسة أو في سلوك نوع من الحيوانات، يمكن تقليل النشاط أو تغيير مساره أو توقيته.

أكثر من 10 آلاف حيوان أعيد إطلاقها في الطبيعة

تأتي «وجهات الحياة الفطرية» ضمن منظومة أوسع من برامج المحافظة على التنوع الحيوي في المملكة.

وقد نجح المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في إعادة إطلاق أكثر من 10 آلاف حيوان بري في موائلها الطبيعية، في إطار جهود إعادة تأهيل الأنواع والأنظمة البيئية.

وفي الوقت نفسه، أصبحت المناطق البرية المحمية تمثل 18.3% من مساحة المملكة، بينما وصلت نسبة المناطق البحرية المحمية إلى 16.3%.

وتستهدف المملكة الوصول إلى حماية 30% من المناطق البرية والبحرية بحلول عام 2030، بما يتماشى مع مستهدفات حماية البيئة والتنوع الحيوي.

من حماية الأنواع إلى دعم المجتمعات المحلية

لا ينظر البرنامج إلى السياحة البيئية باعتبارها وسيلة للحفاظ على الحيوانات والموائل فقط، بل يراها أيضًا فرصة لتوليد نشاط اقتصادي في المجتمعات المحيطة بالوجهات.

فالزائر لا يأتي لمشاهدة الحيوانات فحسب، بل يمكن أن يتعرف إلى تاريخ المنطقة ومنتجاتها وحرفها وطبيعتها، ما يخلق مساحة أمام الخدمات المحلية والمرشدين والمنتجات التقليدية والضيافة والأنشطة السياحية المرتبطة بالمكان.

وفي حالة الطائف، على سبيل المثال، يمكن أن تتقاطع تجربة الحياة الفطرية مع الورد الطائفي والعسل والمنتجات الزراعية والحرف المحلية، بما يجعل التجربة أوسع من مجرد جولة لمشاهدة الحيوانات.

تجربة تعليمية بقدر ما هي سياحية

أحد الأبعاد المهمة للبرنامج هو الجانب التعليمي.

فالزوار سيتمكنون من التعرف إلى الأنواع المختلفة وموائلها وأدوارها في الحفاظ على التوازن البيئي، وهو ما يمكن أن يحول الرحلة الطبيعية إلى تجربة معرفية تساعد على بناء وعي طويل الأمد بأهمية حماية البيئة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة مع ارتفاع الاهتمام العالمي بالسياحة المسؤولة، التي لا تقيس نجاحها بعدد الزوار فقط، وإنما بقدرتها على تقليل التأثير البيئي وتعزيز فهم المجتمعات والزوار للطبيعة.

نموذج جديد للسياحة الطبيعية في المملكة

يمثل برنامج «وجهات الحياة الفطرية» تحولًا في طريقة تقديم الطبيعة كجزء من التجربة السياحية في المملكة.

فبدلًا من النظر إلى المحميات والموائل باعتبارها مناطق مغلقة أمام الجمهور بالكامل، يجري تطوير نموذج يتيح الوصول إليها بصورة محسوبة، مع وضع حماية الأنواع والموائل فوق الاعتبارات التجارية.

وتكمن قوة هذا النموذج في التوازن بين ثلاثة أهداف رئيسية: الحفاظ على الطبيعة، وإتاحة تجارب سياحية وتعليمية مسؤولة، وخلق فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية.

ومع استمرار تقييم المواقع الجديدة واستكمال الدراسات والموافقات، يتوقع أن تتوسع شبكة الوجهات بصورة تدريجية، مع الحفاظ على الهوية البيئية لكل منطقة وعدم تحويل السياحة إلى عامل ضغط على الطبيعة التي جاءت هذه الوجهات أصلًا لحمايتها.