استهلاك السكر في المملكة يرتفع إلى مستويات تستدعي الاهتمام و«وقاية» تدعو إلى تغيير العادات الغذائية اليومية

استهلاك السكر في المملكة يرتفع إلى مستويات تستدعي الاهتمام و«وقاية» تدعو إلى تغيير العادات الغذائية اليومية

حذرت هيئة الصحة العامة «وقاية» من ارتفاع استهلاك السكر في المملكة إلى مستويات تستدعي مزيدًا من الاهتمام، خصوصًا مع انتشار الأطعمة والمشروبات التي تحتوي على السكريات المضافة، مؤكدة أن مواجهة هذا التحدي لا تعني الامتناع الكامل عن السكر، وإنما تقليل الكميات وتحسين الاختيارات الغذائية اليومية.

وجاءت التوعية ضمن حملة «صحتك اختيارك» التي أطلقتها «وقاية» بهدف رفع مستوى الوعي الغذائي لدى أفراد المجتمع وتمكينهم من اتخاذ قرارات أكثر توازنًا، مع التركيز على مصادر السكريات المضافة وكيفية التعرف عليها من خلال قراءة البطاقة الغذائية ومقارنة المنتجات قبل شرائها.

وتستند الحملة إلى توجه وقائي أوسع يربط بين السلوك الغذائي اليومي والصحة على المدى الطويل، في ظل ارتباط الأنماط الغذائية غير الصحية بعدد من عوامل الخطورة، من بينها زيادة الوزن والسمنة وتسوس الأسنان والسكري من النوع الثاني.

السكر المضاف.. المشكلة التي قد لا يكون مذاقها حلوًا

لا يقتصر وجود السكر المضاف على الحلويات والمشروبات التي يكون مذاقها حلوًا بشكل واضح، إذ يمكن أن يدخل في تركيبة مجموعة واسعة من المنتجات الغذائية.

ولهذا تركز «وقاية» على أهمية معرفة مصادر السكر المضاف وقراءة البطاقة الغذائية بدل الاعتماد على الطعم وحده عند تقييم المنتج.

وتساعد قراءة الملصق الغذائي المستهلك على مقارنة المنتجات المتشابهة واختيار البديل الأقل احتواءً على السكر، وهي ممارسة بسيطة يمكن أن تتحول مع الوقت إلى جزء ثابت من السلوك الغذائي للأسرة.

وتوضح وزارة الصحة أن حملة «صحتك اختيارك» تركز على الاستهلاك المتوازن للسكر ومصادر السكريات المضافة في الأغذية والمشروبات، إلى جانب فهم مكونات المنتجات ومقارنتها قبل اتخاذ قرار الشراء.

لماذا يمثل الإفراط في السكر مصدر قلق صحي؟

ترتبط زيادة استهلاك السكريات الحرة بعدد من المخاطر الصحية، خصوصًا عندما تؤدي إلى زيادة إجمالي الطاقة المتناولة بصورة مستمرة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن ارتفاع استهلاك السكريات الحرة يرتبط بزيادة مخاطر زيادة الوزن والسمنة وتسوس الأسنان، كما أن تقليل استهلاكها يمثل جزءًا أساسيًا من نمط الغذاء الصحي.

ولا يتعلق الأمر بالسكر وحده بمعزل عن بقية النظام الغذائي، فالصحة الغذائية تعتمد على الصورة الكاملة للوجبات، وتوازن الطاقة، وتنوع الأطعمة، والنشاط البدني، إلى جانب تقليل مصادر السكر المضاف.

ومن هنا تأتي أهمية التعامل مع تقليل السكر باعتباره تغييرًا تدريجيًا في العادات وليس قرارًا مؤقتًا أو حمية صارمة يصعب الاستمرار عليها.

ماذا تقول منظمة الصحة العالمية؟

توصي منظمة الصحة العالمية بأن يقل استهلاك السكريات الحرة عن 10% من إجمالي الطاقة اليومية، مع إمكانية خفضها إلى أقل من 5% لتحقيق فوائد صحية إضافية.

والسكريات الحرة تشمل السكريات التي تُضاف إلى الأطعمة والمشروبات أثناء التصنيع أو التحضير، إضافة إلى السكريات الموجودة طبيعيًا في العسل والشرابات وعصائر الفاكهة ومركزاتها. أما السكريات الموجودة بصورة طبيعية داخل الفاكهة والخضراوات الكاملة فلا تنطبق عليها التوصية بالطريقة نفسها.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الحد من السكريات الحرة يمكن أن يساعد في تقليل مخاطر زيادة الوزن وتسوس الأسنان، خصوصًا عندما يكون تقليل السكر جزءًا من نمط غذائي متوازن.

«صحتك اختيارك».. من المعرفة إلى السلوك

تحاول حملة «صحتك اختيارك» تجاوز مرحلة تقديم المعلومات الصحية العامة، من خلال تحويل المعرفة الغذائية إلى خطوات يمكن تطبيقها في الحياة اليومية.

وتشمل الرسائل الأساسية للحملة التعرف على مصادر السكريات المضافة، وتقليل استهلاك الأغذية والمشروبات مرتفعة السكر، وقراءة البطاقة الغذائية، ومقارنة المنتجات قبل اختيارها.

ويعني ذلك أن قرارًا بسيطًا مثل اختيار منتج أقل سكرًا، أو تقليل تكرار تناول مشروب محلى، أو الانتباه إلى حجم الحصة الغذائية، يمكن أن يصبح جزءًا من استراتيجية طويلة المدى لتحسين النمط الغذائي.

وتستهدف الحملة مختلف فئات المجتمع، مع تركيز خاص على الأسر والأطفال، من خلال محتوى توعوي مبسط وموثوق يساعد على تحويل المفاهيم الغذائية إلى ممارسات عملية قابلة للاستمرار.

الأسرة نقطة البداية

يمثل المنزل أحد أهم البيئات التي تتشكل فيها العادات الغذائية، ولذلك فإن رفع وعي الأسرة بمصادر السكر المضاف يمكن أن ينعكس على اختيارات الأطفال والمراهقين أيضًا.

ولا يتعلق الأمر بمنع الحلويات أو المنتجات المحلاة بصورة مطلقة، وإنما بتطوير علاقة أكثر توازنًا مع هذه المنتجات، بحيث تصبح جزءًا محدودًا من النظام الغذائي بدل أن تكون مصدرًا متكررًا للسكريات المضافة.

كما أن تعليم الأطفال منذ سن مبكرة كيفية قراءة المعلومات الغذائية وفهم الاختلاف بين المنتجات يمكن أن يمنحهم أدوات تساعدهم على اتخاذ قرارات أفضل مستقبلًا.

ست جهات تعمل ضمن منظومة واحدة

تعكس الحملة توجهًا تكامليًا، إذ جاءت نتيجة تعاون بين وزارة الصحة، ووزارة التعليم، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، ووزارة الإعلام، والهيئة العامة للغذاء والدواء، ومركز التواصل الحكومي، بقيادة هيئة الصحة العامة «وقاية».

ويهدف هذا التعاون إلى توحيد الرسائل المتعلقة بالتغذية وتعزيز وصول المعلومات الموثوقة إلى مختلف فئات المجتمع، مع ربط التوعية الغذائية بمفهوم الوقاية وتحسين جودة الحياة.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأن تغيير السلوك الغذائي لا يعتمد على الفرد وحده، بل يتأثر أيضًا بالمنتجات المتاحة، والمعلومات الموجودة على العبوات، والبيئة المدرسية، والأسرة، والإعلام، والوعي المجتمعي.

تقليل السكر لا يعني إلغاءه

وتؤكد الرسائل الصحية للحملة أن الهدف ليس الوصول إلى الامتناع الكامل عن السكر، وإنما ضبط الاستهلاك وفهم مصادره واختيار البدائل بصورة أكثر وعيًا.

وهذا النهج يجعل التغيير أكثر قابلية للاستمرار، خصوصًا أن العادات الغذائية اليومية تتشكل عبر تراكم قرارات صغيرة ومتكررة.

فبدلًا من النظر إلى السكر باعتباره عنصرًا يجب حظره تمامًا، يصبح الهدف هو معرفة الكمية ومصدرها ومدى تكرار تناولها ضمن النظام الغذائي الكامل.

الوعي الغذائي جزء من الوقاية

يمثل رفع الوعي الغذائي أحد المكونات الأساسية للوقاية من عوامل الخطورة المرتبطة بالنظام الغذائي.

وتؤكد «وقاية» أن تمكين الفرد من فهم ما يشتريه وما يتناوله يمنحه قدرة أكبر على اتخاذ قرارات غذائية متوازنة، وهو ما يتوافق مع توجه الحملة نحو جعل «كل اختيار يصنع فرقًا» جزءًا من السلوك اليومي.

وفي هذا الإطار، لا تعتمد الوقاية على قرار واحد كبير، بل على مجموعة من الاختيارات المتكررة: ماذا نشتري؟ ماذا نشرب؟ كم نتناول؟ وكم مرة نكرر الاختيار نفسه؟

ومع الوقت، يمكن لهذه القرارات الصغيرة أن تسهم في بناء نمط غذائي أكثر توازنًا، خصوصًا عندما تترافق مع النشاط البدني والنوم الجيد والتنوع الغذائي.

نحو مجتمع أكثر وعيًا بالاختيارات الغذائية

تأتي حملة «صحتك اختيارك» ضمن توجه أوسع لتعزيز الصحة الوقائية في المملكة، عبر نقل التوعية الصحية من الرسائل العامة إلى ممارسات يستطيع الفرد والأسرة تطبيقها بصورة يومية.

ومع ارتفاع الاهتمام العالمي بتأثير الأنظمة الغذائية في الأمراض غير السارية، يصبح التعامل مع السكريات المضافة جزءًا من منظومة أكبر تهدف إلى تحسين جودة الغذاء وتقليل عوامل الخطورة وتعزيز الصحة العامة.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بحرمان الإنسان من الأطعمة التي يحبها، بقدر ما يتعلق بأن يكون أكثر وعيًا بما يأكله ويشربه، وأكثر قدرة على المقارنة والاختيار.

فالتحول نحو نمط غذائي صحي لا يبدأ بالضرورة بتغيير جذري، وإنما قد يبدأ بقرار بسيط أمام رف المنتجات: قراءة البطاقة، مقارنة الخيارات، واختيار ما يناسب الصحة بصورة أفضل.