منذ مطلع أبريل 2026، دخلت مزارع ورد الطائف في مرتفعات الهدا والشفا مرحلة الذروة من موسمها السنوي، وهو موسم يمتد خمسةً وأربعين يوماً يشكّل حدثاً اقتصادياً وثقافياً بامتياز في محافظة الطائف.
يبدأ الموسم قبل شروق الشمس، حين يتوافد المزارعون إلى الحقول في ساعات الفجر الأولى مسابقين الضوءَ للحفاظ على الزيوت العطرية المحبوسة داخل بتلات الورد قبل أن تبدأ بالتبخر تحت وهج النهار.
الورد الطائفي، المعروف علمياً بـ”روزا داماسينا”، يمثل واحداً من أندر أصناف الورود في العالم، وتمنحه المناخُ الجبلي للطائف وتربتُه المميزة خصائصَ عطرية استثنائية لا تُجارَى.
من البتلة إلى قطرة الزيت الثمينة
تضمّ المحافظة أكثر من أربعين معصراً بين تقليدي وحديث، تعمل بلا توقف طوال موسم الحصاد. تُوضع في كل قِدر نحاسي ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف وردة، وتُغلق بإحكام لتبدأ مرحلة التبخير على حرارة منضبطة دقيقة.
يتحول البخار العطري بعد مروره بصهاريج تبريد تُسمى «الملتقى» إلى سائلين لا يُقدَّران: ماء الورد ودهن الورد الذي يُصنَّف ضمن أغلى الزيوت العطرية في العالم.
يستلزم إنتاج كيلوغرام واحد فقط من زيت الورد الطائفي ما يزيد على مليوني وردة، وهو ما يفسّر ثمنه الباهظ وندرته في الأسواق الدولية.
تحرص دور العطور الكبرى في مختلف أنحاء العالم على استيراده بوصفه مكوّناً جوهرياً في أرقى تركيباتها.
فضلاً عن ذلك، يرتبط دهن الورد الطائفي بمكانة روحية رفيعة، إذ يُستخدم تاريخياً في تطييب جدران الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، مما يجعله جزءاً لا يتجزأ من الموروث الإسلامي الأصيل.
قطاع يصنع هوية المملكة ويدعم رؤيتها
تُشرف وزارة البيئة والمياه والزراعة على موسم الحصاد وتقدّم الدعم الفني للمزارعين بهدف ضمان استدامة هذا القطاع الحيوي الذي يمثل هويةً سياحية واقتصادية للمملكة.
يتقاطع موسم ورد الطائف مع أهداف رؤية 2030 لتنويع مصادر الاقتصاد الوطني، وتطوير السياحة الداخلية، وتمكين الصناعات الحرفية والتراثية.
يستقطب موسم الورد زوّاراً من مختلف مناطق المملكة ومن خارجها، يأتون لاستنشاق عبق الحقول ومشاهدة عمليات التقطير عن كثب، ثم يعودون حاملين معهم قناني ماء الورد وقوارير الزيت العطري التي باتت من أبرز منتجات الحرف السعودية الأصيلة وأكثرها طلباً في الأسواق المحلية والعالمية.
مع استمرار الموسم حتى منتصف مايو، يثبت الطائف مرةً بعد مرة أن أعرق تقاليد المملكة قادرة على الصمود والتجدد، وأنها تقف في قلب كل مستقبل يُبنى على الأصالة والتميز.
