ليست مجرد أرقام على ورق. ما شهده معرض الدفاع العالمي 2026 في الرياض من توقيع وزارة الدفاع لـ 28 عقداً مع شركات محلية وعالمية يحمل دلالة أعمق بكثير: المملكة تمضي بخطى ثابتة نحو بناء منظومة دفاعية مستقلة، وهذه العقود دليل حي على ذلك.
توقيعات رفيعة المستوى مع عمالقة الصناعة
في مراسم مهيبة، وقّع مساعد وزير الدفاع للشؤون التنفيذية الدكتور خالد بن حسين البياري أربعة عقود رئيسية مع كبرى الشركات العالمية: “إم بي دي إيه” الفرنسية المتخصصة في الأنظمة الصاروخية، و”ريثيون” العربية السعودية، و”هانوا أيروسبيس” الكورية الجنوبية، و”ليوناردو” الإيطالية. أسماء ثقيلة في عالم الدفاع، واختيار المملكة لها يعكس رؤية واضحة لتنويع مصادر التسليح.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك. فقد أبرم وكيل الوزارة للمشتريات والتسليح إبراهيم بن أحمد السويد ثمانية عقود إضافية مع شركات محلية وفرنسية وتركية وكورية وإيطالية، فيما وقّع المديرون التنفيذيون في وكالة المشتريات 16 عقداً آخر مع شركات متخصصة.
من 4% إلى 50%: قفزة التوطين الدفاعي
لنضع الأمور في سياقها. في عام 2018، لم تتجاوز نسبة توطين الصناعات الدفاعية في المملكة 4% فقط. اليوم، وصلت إلى نحو 25%. والهدف؟ الوصول إلى 50% بحلول عام 2030. كل عقد من هذه العقود الـ 28 يمثل لبنة في هذا المسار الطموح.
ما يلفت الانتباه حقاً هو تنوع الشراكات. المملكة لا تراهن على طرف واحد، بل تبني شبكة متعددة الأطراف تضمن نقل التقنية والمعرفة، وتفتح آفاقاً لتوظيف الكفاءات السعودية في قطاع واعد يتطلب مهارات عالية.
معرض بحجم المستقبل
معرض الدفاع العالمي 2026 ليس مجرد معرض تقليدي. في نسخته الثالثة، يمتد على مساحة 273 ألف متر مربع، ويستضيف 925 عارضاً من 80 دولة، مع توقعات باستقبال 130 ألف زائر. توسّع بنسبة 58% عن النسخة السابقة، وأضاف مناطق جديدة تشمل: منطقة بحرية مخصصة تعكس أهمية الأمن البحري في البحر الأحمر والخليج، ومنطقة موسّعة للأنظمة غير المأهولة، ومختبر دفاع المستقبل الذي يعرض تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والمواد المتقدمة.
والأهم من ذلك، منطقة سلسلة الإمداد السعودية المصمّمة لدمج المنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية في سلاسل الإمداد الدفاعية العالمية. فبناء صناعة دفاعية حقيقية يحتاج إلى منظومة كاملة، لا مجرد صفقات كبرى.
ماذا يعني كل هذا؟
ببساطة: المملكة تتحول من أكبر مستورد للأسلحة في العالم إلى منتج ومصدّر قادر. بميزانية دفاعية تقارب 78 مليار دولار لعام 2025، هناك قوة مالية حقيقية وراء هذا الطموح. والعقود الـ 28 التي وُقّعت في معرض الدفاع العالمي 2026 ليست مجرد عناوين — إنها ترجمة فعلية لرؤية 2030 على أرض الواقع.
