يجري صندوق الاستثمارات العامة — الذراع السيادي الاستثماري للمملكة بأصول تتجاوز تريليون دولار — مراجعةً استراتيجية واسعة في منهجية توزيع الاستثمارات، إذ ينتقل من مرحلة الانطلاق الشامل والتزامن في إطلاق المشاريع الكبرى، إلى مرحلة الانتقائية الدقيقة التي تُركّز على قطاعات محددة: الذكاء الاصطناعي، والفعاليات والترفيه، والإسكان.
ولا يمثّل هذا توجهاً للتراجع، بل إعادة رسم للأولويات استجابةً لمعطيات اقتصادية متغيرة.
أرقام تكشف حجم التحوّل
تنطق الأرقام بلغة لا تحتمل التأويل؛ فقيمة عقود البناء والإنشاء المُسنَدة في المملكة تراجعت من نحو 71 مليار دولار عام 2024 إلى ما دون 30 مليار دولار عام 2025 — أي بانخفاض يناهز 60 بالمئة.
كما تقلّصت الحصة المباشرة لصندوق الاستثمارات العامة في تلك العقود من نحو 38 بالمئة إلى 14 بالمئة فحسب.
ويكشف هذا التراجع عن فلسفة جديدة في إدارة الإنفاق الاستثماري: بدلاً من التوسع الأفقي المتزامن، ثمة تعمّق رأسي في القطاعات الأعلى أولوية.
والعامل المحرّك لهذه المراجعة هو الواقع النفطي. تُشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن سعر النفط اللازم لتحقيق التعادل المالي في المملكة يتجاوز 90 دولاراً للبرميل، في حين تحوّم أسعار برنت في نطاق 60-65 دولاراً منذ ما يزيد على عام.
وقد انعكس هذا الواقع بوضوح على الميزانية التشغيلية للصندوق؛ إذ خفّضت أرامكو السعودية توزيعات أرباحها عام 2025 بما يعادل ثلث قيمتها السابقة، لتبلغ نحو 84.5 مليار دولار، ما يعني — بحكم امتلاك الصندوق لحصة 16 بالمئة في أرامكو — تراجع الدخل الوارد منها بما لا يقل عن 6 مليارات دولار.
إزاء ذلك، وافق مجلس إدارة الصندوق في ديسمبر 2024 على خفض إنفاقه بحدٍّ أدنى 20 بالمئة عبر محفظة تضم أكثر من 100 شركة، مع تقليص بعض الميزانيات بما يصل إلى 60 بالمئة.
أين يتسارع الاستثمار الآن؟
لكن مفهوم التقليص لا يعني الانكفاء. فالصندوق يحشد طاقته الاستثمارية في ثلاثة محاور محددة: الأول، الذكاء الاصطناعي، بما يتضمنه من بنية تحتية رقمية ومراكز بيانات واستثمارات في شركات التقنية المتقدمة، انسجاماً مع طموح المملكة في أن تكون وجهةً عالميةً في هذا القطاع.
والثاني، الفعاليات والترفيه، استمراراً للزخم الذي أطلقه موسم الرياض والفعاليات الرياضية الكبرى والمنظومة الترفيهية المتكاملة التي تبنيها الهيئة العامة للترفيه.
والثالث، الإسكان؛ إذ يتضاعف الطلب على الوحدات السكنية في المدن الكبرى في ظل نمو سكاني متسارع وشريحة شبابية واسعة، مما يجعل الإسكان قطاعاً ذا عوائد مضمونة ومستدامة.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
تقدّم إعادة رسم أولويات الصندوق رسالة واضحة للمستثمرين والشركات المهتمة بالسوق: الفرص موجودة لكنها مُركّزة لا منتشرة. والقطاعات المتوافقة مع توجهات الصندوق الراهنة هي الأكثر ضمانةً للوصول إلى التمويل والشراكة.
أما القطاعات التي اعتمدت في مرحلة سابقة على الزخم العام للمشاريع الكبرى، فتستلزم إعادة تموضع أو صبراً حتى تستعيد دورة الاستثمار انطلاقها.
رؤية 2030 سائرة بثبات، لكنها تعمل اليوم بمنطق مختلف: الدقة على حساب الاتساع، والعمق على حساب التوسع.
