في تحوّل لافت يعكس عمق التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة، باتت شركات سعودية بارزة تعيد النظر في اعتمادها على مكاتب الاستشارات الإدارية الكبرى، وتتجه بصورة متسارعة نحو توظيف الذكاء الاصطناعي أداةً للتخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرار.
وقد كشف تقرير نشرته صحيفة “فايننشال بوست” أن مكتب ماكنزي العالمي تأثر بشكل مباشر من تراجع المدفوعات الحكومية السعودية له، إذ قلّصت المملكة الأموال المخصصة للمكاتب الاستشارية في مشاريع عدة، في سياق إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتعزيز الكفاءة التشغيلية.
تحوّل عن النموذج التقليدي
لعقود طويلة، اعتمدت الشركات والجهات الحكومية على مكاتب كماكنزي وبوسطن كونسلتنج وبين أند كومباني لصياغة استراتيجياتها وإدارة مشاريع التحول.
غير أن هذه المعادلة تتغير اليوم بوتيرة غير مسبوقة. فمع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل البيانات الضخمة، ومحاكاة سيناريوهات القرار، وتوليد توصيات استراتيجية في أجزاء من الثانية، وجد كثير من المسؤولين التنفيذيين في المملكة أن ما كان يستغرق أشهراً وملايين الريالات من الاستشارات أصبح في متناول اليد بتكلفة أقل بكثير وبكفاءة أعلى بكثير.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على القطاع الخاص، إذ أكد تقرير نشرته منصة “كونسلتنسي ميدل إيست” أن عدداً من الجهات الحكومية السعودية التي كانت تعتمد على فرق استشارية ضخمة لإجراء تقييمات النضج الرقمي، باتت تُنجز الأمر ذاته في غضون أيام عبر منصات ذكاء اصطناعي متخصصة، مع تحرير طاقة المستشارين البشريين للتركيز على الجانب الأعمق من التوجيه الاستراتيجي.
عام 2026 وتوجه وطني واضح
يأتي هذا التحول في توقيت دقيق؛ فقد أعلن مجلس الوزراء السعودي تسمية عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، مع ضخ استثمارات تتجاوز 34 مليار ريال في أكثر من 660 شركة تعمل في هذا المجال، إلى جانب الإعلان عن إنشاء أكبر مركز بيانات حكومي في العالم بالقرب من الرياض.
ويمثّل هذا التوجه الوطني بيئة خصبة لتسريع استبدال الاستشارات التقليدية بحلول ذكاء اصطناعي محلية وعالمية.
وتشير بيانات سوقية إلى أن الشركات السعودية التي أدرجت حلول الذكاء الاصطناعي في منظومة قراراتها التشغيلية حققت تخفيضاً في التكاليف يتراوح بين 25 و40 بالمئة، فيما ارتفعت سرعة الاستجابة التشغيلية بنسبة تصل إلى 50 بالمئة في بعض القطاعات، وهي أرقام تصعب على أي مكتب استشاري تقليدي منافستها.
هل ينتهي عصر الاستشارات؟
عصر الاستشارات المدارة بشرية سيقتصر على شركات الذكاء الاصطناعي الاستشارية التي تقدم حلولاً من قبيل وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على أداء المهام بشكل كامل ودون انقطاع، بمستوى من الاحترافية لا يتأثر بالإرهاق أو التقلبات البشرية.
وفي هذا السياق، لن تكون المنافسة بين الإنسان والآلة، بل بين الشركات التي تتبنى هذا التحول مبكراً وتلك التي تتأخر عنه.
