أسّست المملكة نفسها قوةً محوريةً في صناعة الألعاب الإلكترونية العالمية، إذ تتضافر استثماراتها الضخمة مع بنية ديموغرافية شابة ومتصلة رقمياً وإستراتيجية وطنية طموحة، لتجعل منها مركزاً استقطابياً لكبرى البطولات الإلكترونية العالمية وأحد أسرع أسواق الألعاب نمواً على مستوى العالم.
وليس انتشار ألعاب من قبيل “فورتنايت” بين اللاعبين السعوديين سوى الوجه الظاهر لتحول بنيوي أعمق يُعيد صياغة نظرة صناعة الألعاب العالمية إلى المنطقة العربية بأسرها.
مجتمع من اللاعبين
تروي الأرقام قصةً لا تحتاج إلى تعليق؛ فالمملكة تمتلك أحد أشبّ الهياكل الديموغرافية في العالم، وتتصدر قائمة الدول الأعلى في معدلات انتشار الألعاب الإلكترونية.
ويُشارك اللاعبون السعوديون بفاعلية لافتة في أشهر الألعاب متعددة اللاعبين — من “فورتنايت” و”فيفا” إلى ألعاب المعارك على الهاتف المحمول والعوالم المفتوحة. ولا سيما ألعاب الهاتف المحمول، التي شهدت نمواً أسياً مدفوعاً بانتشار الهواتف الذكية شبه الشامل وسرعات الاتصال التي تُجاري أرقى المعايير الدولية.
وقد أفرز هذا الحضور ثقافةً عميقة للألعاب تمتلك إيقاعها ومجتمعاتها ونجومها الخاصة؛ إذ بنى صانعو المحتوى السعوديون في عالم الألعاب قواعد جماهيرية تجاوزت حدود المملكة، وباتت مقاهي الألعاب والبطولات المحلية وتجمعات المشجعين ظاهرةً ثابتةً في الحياة الاجتماعية لملايين الشباب السعودي.
مجموعة سافي للألعاب ومنهجية رؤية 2030
على المستوى المؤسسي، يتجاوز التزام المملكة بصناعة الألعاب حدود دعم الاستهلاك.
أنشأ صندوق الاستثمارات العامة مجموعة سافي للألعاب الإلكترونية تحديداً لترسيخ الإستراتيجية بعيدة المدى للمملكة في هذا القطاع، وضخّت المجموعة استثمارات إستراتيجية ضخمة في كبرى شركات الألعاب والناشرين العالميين.
والتفويض واضح وصريح: أن تكون المملكة لاعباً مؤسِّساً حقيقياً في عمليات الإنتاج والاستضافة والاستثمار على المستوى العالمي، لا مجرد مستهلك للمحتوى.
وقد تجلّى هذا الطموح بجلاء في استضافة بطولة الرياضات الإلكترونية العالمية بالرياض، التي استقطبت نخبة الفرق الاحترافية من جميع أنحاء الكرة الأرضية وحققت مشاهدات إلكترونية هائلة. وكانت البطولة بياناً صريحاً بأن المملكة عازمة على أن تقود المشهد الإلكتروني العالمي لا أن تشارك فيه فحسب.
بناء منظومة دولة الألعاب الإلكترونية
يستند زخم الألعاب في المملكة إلى بنية تحتية متطورة تشمل أحياء الألعاب المتخصصة، ومراكز التطوير، والبرامج الأكاديمية في تصميم الألعاب.
وبدأت استوديوهات سعودية من الجيل الجديد إنتاج عناوين أصيلة مستوحاةً من تاريخ المنطقة وثقافتها، لتُضيف طبقةً إبداعيةً إلى سوق كان يُوصف في معظمه بأنه سوق استهلاكي بامتياز.
وفي قطاع تُعدّ فيه الملكية الفكرية والمواهب البشرية المحركَ الأساسي للقيمة، يُشكّل هذا التحول نحو المحتوى المحلي تطوراً نوعياً في مسيرة المملكة الإلكترونية — ويُبشّر بمستقبل تُصدّر فيه الثقافة الرقمية بدلاً من استيرادها فحسب.
