كشفت هيئة الرقابة ومكافحة الفساد “نزاهة” أن جهازها الرقابي أجرى أكثر من 32 ألف جولة تفتيشية و4800 تحقيق على مستوى المملكة خلال عام 2025، في مؤشر يكشف عن نضج مؤسسي متصاعد لمنظومة مكافحة الفساد التي باتت تعمل بصورة يومية منهجية، لا في حملات استثنائية متفرقة.
وتعكس هذه الأرقام تحولاً نوعياً في مسيرة مكافحة الفساد في المملكة، إذ انتقلت من مرحلة التدخل الإجرائي العلني التي شهدتها الفترة السابقة إلى مرحلة الرقابة المؤسسية الشاملة، حيث تتوزع اختصاصات الهيئة على طيف واسع من الجهات الحكومية والمشاريع الكبرى على حدٍّ سواء.
الربع الأول من 2026: وتيرة لا تهدأ
وفق البيانات التي أصدرتها نزاهة عن شهر يناير 2026، أجرت الهيئة 1543 زيارة رقابية، وباشرت التحقيق مع 383 شخصاً، وأوقفت 127 مواطناً ومقيماً.
وفي فبراير 2026، كشفت الهيئة عن موجة اعتقالات واسعة طالت عدداً من منسوبي القطاع الحكومي المتورطين في قضايا احتيال تتجاوز قيمتها الإجمالية عشرة ملايين ريال، شملت أحد عشر ملفاً قضائياً موثقاً بين رشوة وسرقة مال عام.
ويرى المحللون المتابعون لمسار الحوكمة في المملكة أن حدة الإنفاذ في تصاعد لا تراجع. وقال رالف ستوباسر، المدير الإداري لشركة سكرتاريات الاستشارية: “دفع مكافحة الفساد في المملكة يكتسب مصداقية متزايدة لأنه أصبح مؤسسياً بامتياز”، مضيفاً أن نزاهة وسّعت في 2025 نطاق الجهات الخاضعة لرقابتها، ومن المتوقع أن تستمر الوتيرة ذاتها طوال 2026.
المشاريع الكبرى تدخل دائرة الرقابة
من أبرز التحولات في المشهد الرقابي امتداد صلاحيات نزاهة لتشمل مشاريع الاستثمار الوطني الكبرى.
ففي عام 2025، احتُجز مسؤولون رفيعون في مشروع الدرعية التابع لصندوق الاستثمارات العامة، ذلك المشروع الذي تتجاوز قيمته خمسين مليار دولار، وجرى فتح تحقيق معهم.
وفي العام الذي سبقه، اعتُقل الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمحافظة العُلا بتهم تشمل التجاوز في الصلاحيات وغسل الأموال.
هذه التحركات تكشف أن ولاية نزاهة توسّعت لتتجاوز الفساد الحكومي التقليدي نحو الإشراف على منظومة ضخ رأس المال في المشاريع العملاقة، في الوقت الذي تتولى فيه الحكومة مراجعة شاملة لكفاءة الإنفاق وجدوى المشاريع الكبرى الجارية.
قانون جديد يُحكم البنية التشريعية
جاء نظام نزاهة الجديد الصادر في يوليو 2024 ليُعزز هذه المنظومة، إذ يُلزم بالفصل الفوري لأي موظف حكومي تثبت إدانته بالفساد، وهو حكم يرفع من قوة الردع التشريعي ويُرسّخ المساءلة في الإجراءات المؤسسية.
ويرى كثير من المستثمرين الدوليين العاملين في المملكة أن هذا التحول نحو الإنفاذ المنهجي والشفاف يشكّل مؤشراً إيجابياً للبيئة الاستثمارية، إذ يميّز بين الحوكمة الرشيدة المبنية على الأنظمة والإجراءات وبين ممارسات التدخل العشوائي التي كانت سائدة في السابق.
