أعلنت هيئة التراث في المملكة عن نتائج الموسم الرابع من أعمال المسح والحفر الأثري في موقع السرين بمحافظة الليث، منطقة مكة المكرمة، في إطار البعثة المشتركة مع إدارة التراث الثقافي الوطني في الصين.
وجاءت الاكتشافات هذا الموسم لتضيف فصلاً جديداً إلى قصة مدينة ساحلية قديمة اضطلعت بدور محوري في شبكة التجارة البحرية الإسلامية على امتداد قرون طويلة.
مدينة ميناء تعود إلى الحياة
كشفت أعمال الحفر عن امتدادات معمارية في مربعات عدة من الشبكة الأثرية للموقع، تضمنت وحدات سكنية وخدمية ومخازن، فضلاً عن أفران فخار تعكس تفاصيل الحياة اليومية لسكان الموقع قبل أكثر من ألف عام.
ومن أبرز ما تم الكشف عنه بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية للموقع، إلى جانب سور يمتد على الجوانب الجنوبية والشمالية والغربية، مما أتاح صورة أوضح للتنظيم الحضاري وحدود المستوطنة.
وتنوعت المكتشفات الأثرية لتشمل فخاراً بأنواع متعددة، ومباخر طينية، وأدوات حجرية، وخرز عقيق، وقطع زجاجية، إلى جانب مواد عضوية كالأصداف والعظام الحيوانية، وهي مؤشرات مباشرة على أنماط التجارة والحياة اليومية في الموقع.
كسرة إناء صيني من عهد سلالة سونغ
برز بين هذه الاكتشافات كسرة إناء خزفي صيني تحمل بقايا طابع زخرفي بعبارات صينية مشوهة، يعود إلى سلالة سونغ الشمالية التي أزهرت بين عامَي 960 و1127 ميلادية.
وتُعدّ هذه القطعة دليلاً أثرياً نادراً على وجود علاقات تجارية نشطة بين جنوب الصين وساحل البحر الأحمر خلال الحقبة الإسلامية، مما يرسخ موقع السريين بوصفه حلقة حية في سلسلة طريق الحرير البحري الذي ربط جزيرة العرب بشرق آسيا.
ووصفت هيئة التراث هذا الاكتشاف بأنه دليل لافت على عمق النشاط التجاري لموقع السريين، الذي كان جزءاً من شبكة حضارية تربط القارات بعضها ببعض.
بوابة الملاحة بين العرب وآسيا وأفريقيا
يُرجَّح أن موقع السريين كان من أبرز الموانئ على ساحل البحر الأحمر، وبلغ ذروته الحضارية والاقتصادية خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، أي ما يوازي القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين.
وقد أسهم الموقع في ربط اليمن ومكة المكرمة بشرق أفريقيا وآسيا، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي في الليث، وفّر بيئة طبيعية ملائمة للاستيطان والتجارة والملاحة. وتعود بدايات النشاط الحضاري والتجاري في الموقع إلى القرن الثالث الهجري.
مواصلة الحفر والدراسة في المواسم المقبلة
أكدت هيئة التراث استمرار أعمال الحفر والدراسة في موقع السريين خلال المواسم المقبلة، بهدف بناء فهم علمي شامل لتاريخ الاستيطان والتطور الحضاري في هذا الجزء من ساحل البحر الأحمر.
وتأتي البعثة المشتركة السعودية الصينية تعبيراً عن نهج المملكة في التعامل مع الإرث الحضاري بوصفه ملكاً للإنسانية جمعاء، وركيزة لتعزيز الحوار الثقافي بين الحضارات بما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030.
