في أروقة المعرض المُقام خارج الرياض، اجتمع قادة الصناعات الدفاعية وخبراء التقنية والاستراتيجيون العسكريون من مختلف أنحاء العالم، وجميعهم يدور حديثهم حول محورٍ واحد: الذكاء الاصطناعي. والحقيقة أنّ النقاش تجاوز مرحلة “هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟” بأشواط.
ماجد الغارني، المسؤول الأول في الهيئة العامة لتطوير الدفاع، طرح ما قد يكون أهم سؤال في المعرض: هل تتبنّى المملكة أنظمة “مُعزَّزة بالذكاء الاصطناعي”، أم تنتقل مباشرةً إلى منصات “أصيلة الذكاء الاصطناعي” مبنية من الصفر؟
“نستطيع أن نرى الأنظمة المُعزَّزة في كل أرجاء المعرض الآن”، قال الغارني. لكنّه أشار إلى أنّ التحوّل الحقيقي يكمن في المنصات الأصيلة التي تدمج “سلسلة القيمة الكاملة، من الرقائق إلى البيانات إلى النماذج ثم إلى الأنظمة الوكيلة”.
وهذا ليس مجرّد تحديث تقني — إنّه إعادة تصوّر شاملة لكيفية تصميم أنظمة الدفاع ونشرها وإدارتها.
قوة مُضاعِفة بضمير مسؤول
ما يُميّز نهج المملكة ليس الطموح فحسب، بل التوازن. ففي الوقت الذي تدفع فيه بقوة نحو الابتكار، أكّد المسؤولون أنّ الذكاء الاصطناعي المسؤول خطٌّ أحمر لا يُمسّ.
“يجب أن يبقى الإنسان في حلقة القرار لضمان السيطرة الكاملة على كل إجراء حاسم”، شدّد الغارني. كما وقّعت المملكة على اتفاقيات دولية لضمانات الذكاء الاصطناعي، في رسالة واضحة بأنها لا تسعى إلى القدرة فقط، بل تفعل ذلك ضمن إطارٍ أخلاقي محكم.
لورانس شويت، مدير برامج البحث والتقنية في لوكهيد مارتن، قدّم تشبيهاً لافتاً: “اسأل ChatGPT كم حرف R في كلمة strawberry — سيقول اثنان. لكن طفلك في الروضة سيقول ثلاثة، وطفلك هو المحقّ.”
رسالته واضحة: الثقة في الذكاء الاصطناعي يجب أن تُكتسب لا أن تُفترض، خاصةً في السياقات العسكرية.
الذكاء الاصطناعي أولوية رؤية 2030
لا يقتصر الذكاء الاصطناعي على كونه مصطلحاً رائجاً في قطاع الدفاع بالمملكة — إنّه أولوية وطنية ضمن رؤية 2030. وقد شكّل معرض الدفاع العالمي منصةً قوية لإبراز جدّية المملكة في هذا التحوّل.
من الطائرات المسيّرة المستقلة إلى أنظمة القيادة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، امتلأت أرض المعرض بتقنيات الجيل القادم. عارضون دوليون من أكثر من 100 دولة قدّموا حلولهم المتطورة، لكنّ الرسالة كانت جلية: المملكة لم تعد مجرّد مُشترٍ — إنّها تتحوّل إلى مُطوِّر.
كما شهد المعرض توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجهات الدفاعية السعودية وشركات التقنية العالمية. فعلى سبيل المثال، وقّعت شركة Vertical Aerospace مذكرة تفاهم استراتيجية مع مجموعة AHQ والمركز الوطني للتنمية الصناعية لتسريع التنقّل الجوي المتقدّم في المملكة.
ما الذي ينتظرنا؟
بنهاية جلسات النقاش، ساد شعور بحتمية التحوّل. الأنظمة الأصيلة بالذكاء الاصطناعي ليست مسألة “إذا”، بل “متى”. والمملكة، باستثماراتها الاستراتيجية وبرامج تطوير الكفاءات وشراكاتها الدولية، تضع نفسها في صدارة هذا التحوّل.
معرض الدفاع العالمي 2026 لم يكن مجرّد معرض — كان بياناً. المملكة مستعدة لعصر الذكاء الاصطناعي، وتبني مستقبل الدفاع بشروطها الخاصة.
